انت متواجد الان في: الصفحة الرئيسية ابحاث ومعلومات الماء حق.. ولكنه ضائع

الماء حق.. ولكنه ضائع

smaller text tool iconmedium text tool iconlarger text tool icon

تقرير: ياسر العقبي وصفاء حسن


"إن حق الإنسان في الماء يمنح كل فرد الحق في الحصول على كمية من الماء تكون كافية ومأمونة ومقبولة، ويمكن الحصول عليها مادياً كما تكون ميسورة التكلفة لاستخدامها في الأغراض الشخصية والمنزلية. فتوفير كمية كافية من الماء المأمون هو أمر ضروري لمنع الوفاة بسبب فقدان جسم الإنسان للسوائل، والحد من مخاطر الإصابة بأمراض منقولة بالمياه كما أنه ضروري للاستهلاك والطهي والمتطلبات الصحية الشخصية والمنزلية"


مكتبة حقوق الإنسان، جامعة منسوتا. "الأسس القانونية للحق في الماء"


رغم ما ورد اعلاه فانه هذا الحق، كما يبدو، يمنح بالقطارة حين تهدف سياسة الدولة الى خنق أصحاب الحقوق، من أجل السيطرة على أراضيهم ونقلهم إلى البلدات والتجمعات السكانية، التي يرى فيها الكثير عبارة عن فنادق نوم لا أكثر.


قرية وادي المشاش العربية في النقب تشكل مثالاً صارخاً لهذا الحق المسلوب، من قبل حكومات إسرائيل. ولو أن وزير البنى التحتية، الوزير بنيامين بن اليعزر، لم ير في أن فتح ماسورة مياه لسكان القرية قد يحقق له مكاسب سياسية، لكان سكان وادي المشاش ينتظرون ماسورة الماء حتى يومنا هذا.


فلقد استغل سكان القرية فترة الانتخابات التمهيدية لحزب العمل، التي لم تتم في نهاية المطاف (بسبب التزييفات) لمطالبة الوزير بفتح الماسورة، وبالرغم من أن الماسورة فتحت على بعد نحو عشرة كيلومترات عن القرية، إلا أنها تعتبر بالنسبة للسكان بمثابة "رائحة البر ولا عدمه"، حتى لو كان هذا البر بالقطارة، وهو بمثابة لوي لأيدي القائمين على المياه في ما يسمى "مديرية النهوض ببدو النقب"، الذين يقررون – دائمًا – رفض كل طلب يقدمه السكان العرب في النقب لربط قراهم بماسورة ماء، لا لسبب إلا تنفيذًا للسياسة العنصرية التي تهدف الى تضييق الخناق على السكان، معتقدين أن الإنسان قد يتنازل عن حقه على أرضه بسبب شربة ماء. ومحمد الوليدي، رئيس اللجنة المحلية لقرية وادي المشاش كان واضحًا في حديثه معنا، حين قال: "حتى لو متنا من العطش، فلن نتنازل عن أراضينا".


قرية تعاني الأمرّين

جبر أبو كف، احد قادة النضال الذي يخوضه عرب النقب من أجل حقوقهم، يلخص وضع القرية قائلا: "وادي المشاش تعاني الأمرّين. وضميري يؤنبني من ذلك الوضع، بالرغم من أننا بذلنا جهدًا كبيرًا من أجل تغيير الوضع القائم. أربع سنوات ونحن نحارب من أجل شربة ماء لسكان القرية، الذين يقومون بنقل المياه بواسطة صهاريج من مسافات بعيدة، ويكلفهم كوب الماء 20 شيكلاً. لقد وضعنا نصب أعيننا أن الماء بالنسبة لنا يعني منح الحياة لهذه القرية فقمنا باستغلال حفلة "البرايمريز" (الانتخابات الداخلية لحزب العمل)، وعن طريق إبراهيم أبو صبيح، عضو الهيئة، بإحضار الوزير بن اليعزر، لنستغله مرّة واحدة لصالح السكان. قبل فتح الماء كان السكان ينقلون المياه من مسافات بعيدة. لقد عملنا بشكل مكثف عن طريق أبو صبيّح، لأن سكان قرية وادي المشاش هم ضحية سياسة حكومة إسرائيل. أريد أن أؤكد أن فتح ماسورة المياه لم يكن له ثمن: لم يقم أي مواطن من القرية بالانتساب إلى حزب العمل بتاتًا".


48 عائلة؛ 850 نسمة


تقع قرية وادي المشاش جنوبي بئر السبع، عند نقطة الكيلومتر العشرين على شارع رقم 40، المسمى طريق عصلوج (متسبي رامون). سميت قرية وادي المشاش بهذا الإسم نسبة إلى وادي المشاش الذي يمر من وسطها. تعيش في القرية 48 عائلة تضم 850 نسمة (البعض متزوج من امرأتين أو أكثر). نسبة البطالة في القرية تصل إلى 80%، والبقية يعتاشون على زراعة القمح والشعير وتربية المواشي والعمل اليدوي. جميع من يسكن في القرية هم من أبناء عشيرة العزازمة، من عائلات الوليدي، والسراحين، والخزاعلة وزنون وأبو زعبوط، ويقيمون على مساحة حوالي 6000 دونم. 50% من السكان هم من الأطفال، الذين يتعلمون على بعد حوالي 35 كلم في مدارس شقيب السلام، التي يتم نقلهم إليها في الصباح في حافلات. وبالرغم من الظروف الصعبة يتعلم عشرة من أبناء القرية في الجامعات والكليات المختلفة.


بدون خدمات أساسية


يسكن سكان وادي المشاش على أراضيهم قبل قيام دولة إسرائيل. لكنه على الرغم من ذلك تفتقد قريتهم الى الخدمات الأساسية، كما كانت محرومة من الماء الى ما قبل شهر واحد، اما الكهرباء فيوفرها الأهالي في ساعات الليل فقط، مولد كهربائي، بالرغم من أن خط الكهرباء يمر من فوق بيوتهم. وبالرغم من النشر الأخير حول المشاكل الصحية التي قد يعاني منها كل من يسكن تحت خطوط الجهد العالي، إلا أن ما يزيد الطين بلّة بالنسبة لسكان وادي المشاش هو وجودهم على بعد 6 كلم جواً عن المنطقة الصناعية الكيماوية "رمات حوفاف"، بالإضافة إلى تعرض حياتهم للخطر كونهم يجاورون منطقة "رمات بيكع" العسكرية.


أما عن النقص في الخدمات فحدّث ولا حرج: فلا توجد مدرسة ولا روضة ولا حتى ساحة للعب الأطفال، والطرق غير معبدة، ويصبح الوضع اكثر شاقاً بالنسبة للطلاب في فصل الشتاء، الذين يضطرون إلى السير مسافة 8 كلم على الأقدام ويقطعون الوادي الذي يشكل خطرًا على حياتهم حين تكون المياه جارية فيه. ومن هنا فإن طلاب الروضة والبستان لا يتوجهون إلى المدارس في فصل الشتاء، وكذلك الأمر في الأيام الحارة في فصل الصيف، منعًا للمس بحياتهم وتعريضهم للخطر. أما بالنسبة للخدمات الصحية فيتلقاها السكان في رخمة (بلدة يروحام) أو في شقيب السلام.


3 أكواب من الماء تكلفنا 200 شيكل


محمد الوليدي (39) هو أب لتسعة أطفال، ويرأس اللجنة المحلية للقرية. ويقول: "الناس كانوا فاقدين للأمل من أية مساعدة، الى ما قبل شهرين حيث تم فتح ماسورة ماء في القرية، ما أعاد إليهم بصيصا من الأمل، لقد ثبت أن طريق النضال والمطالبة بالحقوق له مكان في مثل حالتنا، وعزز ذلك عدم خوفنا من التهديد برش المحاصيل والتهديد بالترحيل".


ويضيف: "لم يحذونا الأمل على مدار عشر سنوات طالبنا خلالها بايصال المياه إلينا. الشرطة كانت تتابع أي ولد يخرج على التراكتور لإحضار الماء، الذي تحوّل بالنسبة لنا إلى عملية تهريب. اضطررنا إلى تعطيل عملنا، وانتظار الدور ودفع 20 شيكلاً ثمنًا للكوب الواحد، أما التراكتور والصهريج الذي يحوي ثلاثة أكواب من الماء فيكلفنا 200 شيكل. وبسبب الحالة الاقتصادية السيئة، وعدم امتلاك كل العائلات لتراكتور، تجد الناس يتوسلون لمن يملك هذه الآلية كي يقوم بنقل المياه لهم، على أن يسددوا الدين له في وقت لاحق"!


من المهم إلى الأهم


أطفال قرية وادي المشاش لا يحلمون بمخيم صيفي أو ملعب مغطى بالعشب الأخضر لكرة القدم، التي يعشقونها. فهم يفهمون أولويات الحياة ويعرفون الأهم بالنسبة لهم. صحتهم وصحة ذويهم. إنهم يهتمون بالماء أولا، ثم إزالة الروائح الكيماوية التي تسبب لهم ضيق التنفس، أحد الأمراض الدخيلة على المجتمع العربي عامة في النقب. حتى رئيس اللجنة المحلية يؤكد أن أولادهم يعرفون "البير وغطاه" بالنسبة للوضع الاقتصادي وبالنسبة للأولويات، لا يمكنهم أن يتحدثوا عن أشياء أخرى..... "حتى المخيم الصيفي غير مذكور على أجندتهم"، يؤكد الوليدي، وهو يرأس جمعية لمربي الإبل وينظم سنويًا سباق الهجن.

محمد الوليدي يقول: "المجلس الإقليمي بدأ النضال قبل أربع سنوات، وقام بالتوجه إلى جميع المؤسسات من بينها "حكومة البدو" الخاصة المسماة "مديرية النهوض ببدو النقب"".

ويضيف أبو كف: "المجلس توجه إلى السفارات ووسائل الإعلام التي قامت بزيارات مكثفة للقرية للوقوف عن كثب على أوضاع السكان، خاصة نقص المياه، وكذلك قربهم من "رمات حوفاف" وخط الجهد العالي للكهرباء، واستطاع قبل سنتين ونصف تحسين البنية التحتية للشارع من خلال تحسين مداخل القرية في يوم الأرض 2003. وقد واصل باستمرار المطالبة بالمياه بالرغم من رفض طلباتنا عدة مرات، وتم التوجه الى المحكمة العليا باسم القرى كلها، فتم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، والتي كانت تبت فيما إذا كانت هذه القرية بحاجة إلى المياه أم لا، وكانت ترفض جميع الطلبات".


ويردف معيقل الهواشلة، من قادة عرب النقب: "لقد وقفنا إلى جانب القرى التي ينقصها المياه، مثل قرية الغرّة، التي أسكن فيها، لأن الناس بحاجة ماسة للمياه. مديرية البدو أعلمتنا أنهم سيخرجون في جولة، هذه المديرية التي تقرر للبدو العرب في النقب فقط فيما إذا كانوا يحتاجون لشربة ماء أم لا من خلال لجنة خاصة! ما يلفت النظر هو عدم وجود عربي في هذه اللجنة، حيث لا يمكن سماع صوتنا فيها".

ويلخص الوليدي أقواله بالتأكيد: "التمسك معًا والوحدة والمحافظة على الأرض وعدم المساومة عليها، وتفاوت الخلافات بيننا، هو الكفيل بوضع حد للاستهتار بحياة الناس. لا توجد دولة في العالم تعمل على تأسيس لجنة لتقصي الحقائق كي تفحص ما إذا كان مواطنوها بحاجة إلى شربة ماء أو لا، إلا إسرائيل".