انت متواجد الان في: الصفحة الرئيسية

مواطنون بلا عنوان!

smaller text tool iconmedium text tool iconlarger text tool icon

أصدر مركز "أدفا" – معلومات حول المساواة والعدالة الإجتماعية في إسرائيل – تقريرًا يعتبر بمثابة لائحة إتهام ضد سياسات حكومات إسرائيل المتعاقبة بحق المواطنين العرب في النقب، خاصة في القرى التي لا تعترف بها حكومة إسرائيل. ويقول الباحثان شلومو سبيرسكي وياعيل حسّون، اللذان يسردان قصة 76 ألف مواطن عربي غير مرئي على الخارطة الإسرائيلية، إنّ الوضع في القرى التي لا تعترف بها حكومة إسرائيل هو الأسوأ على الإطلاق، ولكنهم يوجهون أصابع الإتهام ضد السياسة الواضحة للحكومة في القرى المعترف بها أيضًا، والتي هي عبارة عن أماكن للنوم ليس أكثر.
associatin of40وجاء في التقرير: "يعتبر البدو في النقب، المجموعة العربية الإسرائيلية الوحيدة التي لا تزال تربطها علاقة ملكية على الأراضي على نطاق واسع، وذلك على الرغم من اقتلاعها من أراضيها الأصلية التي كانت تقطنها عند قيام الدولة، ونقلها عنوة إلى مناطق جديدة، وعلى الرغم من سياسة مصادرة الأراضي المكثفة التي عانت منها في هذه المناطق أيضًا. من جهتها، تتنكر الدولة رسميًا ومبدئيًا لهذه العلاقة بين البدو وأراضيهم، لكنها تعترف بها على المستوى العملي. على الرغم ّ مما ذكر، يمكن القول أن البدو في النقب هم المجموعة الإسرائيلية الكبيرة الوحيدة التي لا تضع أقدامها على أرض ثابتة ومستقرة. فمنذ العام 1948، يناضل البدو ليس فقط من أجل الحصول على اعتراف الدولة بحّقهم بالملكية على أراضيهم، إنما أيضًا من أجل الحصول على الخدمات التي توّفرها الدولة لبقية الإسرائيليين، كي يتسنى لهم ممارسة حياة عادية في النواحي التعليمية والثقافية وفي مجال العمل. وبينما لا يزال البدو يناضلون من أجل كل هذه الأمور، تعمل حكومات إسرائيل المتعاقبة وبشكل منهجي على تجريدهم من أراضيهم وحصرهم داخل عدد قليل من البلدات. تقوم هذه الحكومات كذلك بإقصاء البدو عن مخططات في مجال التطوير، وتعاملهم على أنهم مجموعة غير مهمة بالنسبة للمجتمع والاقتصاد الإسرائيليين".
ويردف الباحثان: "يعيش البدو الذين يقطنون القرى غير المعترف بها، داخل ما يشبه الفقاعة القانونية -السياسية. يمنع هؤلاء من إقامة البيوت الثابتة، كما يحرمون من حق أساسي وهو تسجيل مكان سكناهم في بطاقة الهوية، ولا وجود لسلطة محلية في قراهم، ويحرمون من ممارسة الحق السياسي الأساسي في الترشيح والاقتراع للسلطة المحلية، ويحرمون كذلك من الحصول على الخدمات الحكومية الكاملة، ومن ممارسة الحق الأساسي في الملكية كامتلاك وبيع العقارات السكنية. إضافة إلى كل ذلك، يقبع سكان القرى غير المعترف بها تحت سيطرة الهيئات المختلفة التي أقامتها الدولة للتفرد بالسيطرة عليهم، بمنأى عن بقية الإسرائيليين".
أما البدو الذين انتقلوا إلى البلدات المدنية التي أقامتها لهم الدولة، فهم يعيشون داخل فقاعة سياسية-اقتصادية: فمن ناحية هنالك غياب للبنى التحتية والتشغيلية اللائقة، التي بإمكانها أن توّفر لهم حياة اقتصادية ومعيشية كتلك التي يتمتع بها جيرانهم من اليهود، ومن الناحية الأخرى - كغيرهم من البدو الذين يعيشون في القرى غير المعترف بها- يتم عادة تغييبهم من مخططات التطوير الحكومية، سواء كانت قطرية، أو حتى تلك التي تقتصر على منطقة النقب.
"يعيش البدو اليوم في ظل غياب الموارد الجماهيرية العامة التي توفر التنمية الاقتصادية، ويندرجون في أسفل سّلم الأولويات الحكومي. وفي الوقت ذاته، يعتبر المجتمع في النقب- الذي يشكل البدو 25 % منه - مجموعة سكانية ضعيفة ومعزولة، حيث تعمل كل مجموعة بداخله لتدعيم ذاتها، دون أي تعاون مع جارانها. وفي ظل هذه الوضعية، يعتبر البدو أكبر الخاسرين. لكن، وعلى الأمد البعيد ستكون الخسارة من نصيب مجتمع النقب برّمته" – حسبما يقول الباحثان سفيرسكي وحسّون.
* تقلبات منذ 1948 *

عشية قيام إسرائيل، قطن النقب ما يقارب الـ 70,000 بدوي، أقام غالبيتهم في شمال غرب المنطقة. هرب معظم هؤلاء أو طردوا خلال المعارك في 1948، وبقي منهم بعد الحرب حوالي 11,000 عربي-بدوي. قامت حكومة إسرائيل بتجميع هذه البقية الباقية داخل "منطقة السياج" الواقع شمال شرق النقب، في المنطقة الواقعة بين بئر السبع، عراد، ديمونا ويروحام.
في العام 1950 سُنّ "قانون الأملاك المتروكة" (أملاك الغائبين)، والذي أتاح للدولة مصادرة أراضي العرب الفلسطينيين الذين هربوا أو طردوا خلال الحرب، ومن ضمنها أراضي البدو الغائبين منهم، والذين نقلوا إلى منطقة السياج، وتسجيلها كأراضي دولة. في العام 1953 سُن "قانون امتلاك الأراضي- تصريح عمليات وتعويضات" ومن خلاله أصبحت المصادرات المذكورة سارية المفعول.
* الدولة وأراضي البدو *
لا تعترف إسرائيل بحق البدو في الملكية على أراضيهم، وتستند في موقفها هذا إلى مرسوم الأراضي العثماني من العام 1858 ، وإلى مرسوم الأراضي لحكومة الانتداب البريطاني من العام 1921. تطرق المرسوم العثماني لأراضي "الموات - أراضٍ غير مستصلحة"، والتي تقع على بعد 1.5 ميل من البلدات الثابتة، حيث يستطيع كل من يستصلحها تسجيلها باسمه .لم تكن في حين صدور هذا المرسوم أي بلدة ثابتة في النقب، الأمر الذي حول جميع الأراضي إلى أراضٍ "موات"، ولم يسجل البدو أراضيهم لأسباب عدة. طلب مرسوم الانتداب البريطاني، الذي استند إلى المرسوم العثماني، كل من يفلح أرضا من "الموات" أن يسجلها باسمه، ومرة أخرى لم يقم البدو بتسجيل أراضيهم لأسباب عدة ومنها صعوبة الوصول إلى المكاتب الرسمية، والتخوف من دفع الضرائب وما إلى ذلك. أطلق البريطانيون حملة لتسجيل الأراضي، وقد باشروا الحملة انطلاقا من الشمال وساروا باتجاه الجنوب، لكن الوقت لم يسعفهم بالوصول إلى النقب قبل مغادتهم البلاد في 1948. وقد قررت إسرائيل، إستادا إلى هاتين السابقتين، أن أراضي البدو هي "أراضي دولة".
اتبعت إسرائيل طريقتين أساسيتين من أجل تحقيق ملكيتها على الأرض: الأولى كانت تجميع البدو داخل عدد قليل من البلدات الحكومية، والثانية كانت تحقيق الملكية القانونية مقابل منح تعويضات لأصحاب الأراضي البدو.
* تجميع البدو في بلدات ثابتة *
في أواخر 1950 جرت مداولات في مؤسسات الدولة حول مصير البدو في النقب. وعلى الرغم من الإجماع على المطالبة بتقليص المسطح الذي يسكنه البدو إلى أكبر درجة ممكنة، برز توجهان أساسيان؛ صدر الأول عن موشي ديان الذي اقترح توطين البدو في بلدات مختلطة من العرب واليهود، في مركز البلاد، والتوجه الثاني كان ليغئال ألون الذي اعتقد بضرورة تركيز البدو في 2-3 بلدات كبيرة داخل منطقة السياج. عارض البدو بشدة فكرة إخراجهم من النقب واستعانوا في ذلك بمؤيديهم من الأحزاب اليسارية. في نهاية المطاف سقط اقتراح موشي ديان عن جدول الأعمال، وبالمقابل شُرِع
بتنفيذ اقتراح يغئال ألون. في آذار 1962 ، أوصت لجنة من وزارات حكومية، بتوطين البدو في بلدات ثابتة في منطقة السياج، على مساحة تصل إلى 7,600 دونم والتي تشكل جزءا ضئيلا من الأراضي التي اعتبرها البدو تقع تحت ملكيتهم. تحولت هذه التوصية إلى حجر الأساس لسياسة الحكومة خلال الأربعين عامًا القادمة.
* حول الأراضي، الدعاوى والتعويضات *
مقابل المحاولات لتجميع البدو داخل عدة بلدات، نشأ مسار من المداولات حول قضية الملكية على الأراضي في منطقة السياج. ومنذ العام 1950 قدم البدو عدد من الدعاوى لتسجيل الملكية على الأراضي. بالمقابل، ادعت الدولة أن البدو لا يملكون أي دليل ملكية على الأراضي؛ وأضافت أن المصادقات على دفع الضرائب التي قدمها البدو ضاعت في أرشيف الدولة!!
في العام 1969 ، أقامت الدولة منظومة قضائية لتسوية قضايا الأرض، وتقدم البدو ضمنها بدعاوى ملكية على 991 ألف دونم، ومن بينها 200 ألف دونم خارج منطقة السياج التي كانت الدولة قد سجلتها الدولة باسمها. ويصل مجموع الأراضي التي لم تنظم ملكيتها حتى اليوم إلى 650 ألف دونم.
في العام1975 ، قامت لجنة برئاسة المحامية فليئا إلباك بصياغة اقتراح تسوية تستعمله حكومات إسرائيل حتى يومنا هذا. وقد استندت توصيات لجنة إلباك على ثلاثة أسس وهي:
أولا، عدم الاعتراف بحقوق ملكية البدو على الأراضي التي يقطنوها أو قطنوها في السابق، وذلك بالاستناد إلى قوانين الأراضي العثمانية والانتدابية؛ ثانيًا، تعبر الدولة عن استعدادها لتقديم التعويضات للبدو مقابل أراضيهم، من منطلق "عين الرحمة"، وذلك بادعاء أن عدم تقديم التعويضات "غير وارد من الناحية الإنسانية، ويمكن الافتراض أن المحكمة العليا لن
تصادق عليه"؛ ثالثًا، يكون منح التعويضات مشروطا بإخلاء الأراضي والانتقال إلى إحدى البلدات الحكومية.
عرضت لجنة إلباك على البدو الذين يدعون الملكية على أراضٍ تزيد مساحتها عن 400 دونم- وهم أقلية- ويوافقون على الإخلاء، أن تعترف الدولة ب%20 من هذه الأراضي، وأن تقدم لهم تعويضًا ماديًا على 80% من الأراضي المتبقية.
اقتراحات لجنة إلباك تعني ببساطة أن يتنازل البدو عن معظم أراضيهم، ولكن رُفض هذا الاقتراح من قبل البدو الذين قدموا اقتراحا مضادا بعد عدة أعوام: الاعتراف بملكيتهم على 40% من الأراضي، وتعويضًا ماديًا يفوق ذلك الذي اقترحته لجنة إلباك.
في 1980 ، أخلت الحكومة حوالي خمسة آلاف بدوي من منطقة تل الملح، وأنشأت فيها المطار الجوي العسكري نفاطيم، وذلك في أعقاب اتفاقية السلام المبرمة مع مصر والتي ألزمت إخلاء الجيش الإسرائيلي من سيناء بما في ذلك المطارات العسكرية المتواجدة هناك. وجاءت التعويضات التي عرضت على البدو بروح لجنة إلباك أقل بكثير من تلك
التي عرضت على اليهود الذين تم إخلائهم من سيناء. رفض البدو هذا الاقتراح، فقامت الدولة بفرض عملية الإخلاء والتعويض بواسطة سن "قانون امتلاك الأراضي في النقب واتفاقية السلام مع مصر عام 1980". على الرغم من أن التعويضات لم تكن سخية، تضمن "قانون السلام" في طياته اعترافا بعلاقة البدو بالأرض، من حيث الاستعداد الذي أبدته الدولة لدفع التعويضات. السابقة الأخرى والأهم التي أقرها القانون هي أن التعويضات ليست فقط مادية، بل تشمل كذلك أراضٍ زراعية بديلة وحصص مياه، وبذلك اعترفت الدولة بأن الكثيرين من بين البدو هم من المزارعين، وبالتالي فتحت إمكانيات جديدة للتسوية تتضمن تخصيص القسائم الزراعية والمراعي، وترتيبات استئجار، وتخصيص حصص المياه وما إلى ذلك.
بعد فترة وجيزة وفي العام 1984 ، قُدّم التماس للمحكمة العليا من بعض البدو الذين طالبوا الاعتراف بملكيتهم على الأرض في منطقة السياج. وحددت المحكمة العليا برئاسة القاضي أبراهام حليمة، بصورة قاطعة، أن أراضي النقب هي أراضٍ "موات" وتعود ملكيتها للدولة. لم يضع قرار الحكم الصارم هذا حدًا لمحاولات التسوية، ومع ذلك، نشأت حالة من الشلل: من ناحية، يُمنع البدو من تطوير أراضيهم وإقامة البنى التحتية والبيوت والمصالح عليها، ومن الناحية الأخرى، لا تستطيع الدولة استخدام الأراضي قبل تقديم التعويضات للبدو. وبطبيعة الحال أصبح البدو المتضرر الأساسي من حالة الشلل هذه.
ومنذ ذلك الحين، تُدخل الدولة من حين لآخر تحديثات على شروط تسوية الأراضي. عند كتابة هذا التقرير، شمل القرار رقم 1028 الصادر عن مديرية أراضي إسرائيل من يوم 2.5.2005 أحدث الاقتراحات. التعويضات المقترحة هي أفضل بقليل من تلك التي اقترحت بين الأعوام 1975- 1980، ومقابلها يُطالب البدو بسحب الدعاوى القضائية -وإخلاء المنطقة، والموافقة على تسجيل الأراضي باسم الدولة.
تمّيزت سياسة الحكومة برئاسة شارون بمزيد من الشدة والصرامة، وشرعت بتقديم الدعاوى المضادة حول الأراضي المتنازع عليها مع البدو. حتى حزيران 2005 ، تم تقديم100 دعوى مضادة بخصوص أراضٍ تصل مساحتها إلى 85,000 دونم؛ وتم البت في 10 من بينها والتي تتعلق ب 10,000 دونم.
* مكانة مدنية متفردة ومختلفة *
يتميز البدو ليس فقط بسبب تجميعهم في مكان بديل لذلك الذي أقام فيه معظمهم حتى العام 1948 فحسب، بل كذلك بأنهم يملكون مكانة مدنية متفردة ومختلفة. يتجلى الأمر، أولا، في أن العلاقة بين الدولة والمواطنين البدو تُمارس من خلال عدد من المؤسسات التي أقيمت خصيصًا لهذا الغرض، والتي تعمل بشكل مستقل ومنفصل عن بقية أجهزة الدولة.
ثانيًا، على مدار عمر الدولة تقريبا، لم يتمتع البدو بحكم محلي مستقل، حتى في القرى المعترف بها. وأخيرًا، لم يتمتع البدو سابقًا- وبعضهم حتى يومنا هذا- من حقوق المواطنة الأساسية كحق التصويت والترشح للسلطة المحلية أو حتى الحق في تسجيل العنوان في بطاقة الهوية.
* منظومات متميزة للهيمنة *
حتى العام 1966 ، قبع البدو في النقب- كغيرهم من الفلسطينيين الذين تحولوا لمواطنين في إسرائيل- للحكم العسكري. شغل الحكم العسكري في غالب الأحيان وظيفة ممّثل السلطة الحصري في جميع المسائل والقضايا بحث الحاكم العسكري من جهته قضايا المواطنين البدو بوساطة المشايخ ولم يتعامل معهم كأفراد. بدأت مكانة الحكم العسكري تنهار شيئا فشيئا خلال الستينيات، إلى أن ألغيت نهائيا في العام 1966، حيث حّلت وزارة الزراعة مكان الحكم العسكري في معالجة قضايا البدو، وبالتحديد "دائرة أراضي إسرائيل"، التي أقيمت كقسم في وزارة الزراعة في العام 1960. في 1986
أقيمت "مديرية البدو" داخل دائرة الأراضي، ومنذ إقامتها أصبحت الهيئة الحكومية الأساسية التي تركز بين يديها الصلاحيات بكل ما يتعّلق بقضايا 150,000 مواطنا عربيا-بدويا في النقب- سكان القرى المعترف بها وغير المعترف بها على حد سواء. وتقع على المديرية مسؤولية تخطيط وتطوير البلدات القائمة، وبناء مخططات لبلدات جديدة، وتخصيص أراضٍ للمؤسسات العامة ولأغراض الزراعة، بالإضافة إلى محاولات التوصل إلى تسويات بخصوص قضايا الملكية وتخصيص مياه الشرب. تُحول جميع الميزانيات المخصصة للبدو، بما في ذلك ميزانيات السلطات المحلية في البلدات المعترف بها، بواسطة المديرية وليس بواسطة الوزارات الحكومية مباشرة.
أثارت مديرية البدو انتقادات جمة، سواء كان ذلك من قبل البدو أو من قبل تنظيمات وهيئات أخرى. وقد سجلت مؤخرًا بعض المحاولات لإلغائها أو الحد من صلاحياتها. فعلى سبيل المثال، قدم "جلس الأمن القومي" توصيته بأن تقتصر صلاحيات هذه المديرية على قضية الأراضي، ونقل بقية الصلاحيات لجهات أخرى.
بالإضافة إلى مسؤولية دائرة أراضي إسرائيل عن مديرية البدو، فهي الممول الرئيسي لـ"الدوريات الخضراء" المسؤولة عن ما يسمى "الحفاظ على أراضي الدولة من الغزاة". تقع على هذه الدورية أيضًا مسؤولية هدم البيوت "غير القانونية"، ومصادرة قطعان المواشي وأمور أخرى.
تنوب عن السلطة هيئة استثنائية أخرى تخص البدو، وهي سلطة التعليم البدوي التي أقيمت في وزارة التربية والتعليم في العام 1981 حيث منحت هذه السلطة خدمات التعليم للبدو في القرى غير المعترف بها، خاصًة وأنهم لا يتبعون إلى أي سلطة محلية – حتى نهاية العام 2005. وفي الواقع، تحولت الهيئة المذكورة إلى السلطة المسؤولة عن جميع قضايا التعليم في المجتمع البدوي.

* سلطة محلية خارجية *
تتجلى المكانة المدنية الاستثنائية للبدو كذلك في كونهم لم ينعموا على مدار الأعوام التي مضت منذ قيام الدولة بسلطة محلية مستقلة. وحتى إقامة البلدات المعترف بها، كان البدو يخضعون لسلطة الحكم العسكري ومديرية البدو. بعد نقلهم إلى البلدات، وجد البدو أنفسهم تحت سلطة اليهود من أصحاب المناصب في السلطة المحلية، وجرت انتخابات بلدية
للمرة الأولى في البلدات البدوية الأولى تل السبع (أقيمت في العام 1968) ورهط (أقيمت في العام 1971)، في العام 1993 وفي العام 1989 على التوالي. في البلدات الخمس الأخرى، جرت الانتخابات البلدية للمرة الأولى في عام 2000.
* مواطنون بلا عنوان *
لا تزال إسرائيل ترفض الاعتراف بعشرات البلدات البدوية في النقب، وعليه لا ترد أسماءها (بعضها كان قائمًا قبل قيام إسرائيل) في بطاقات هوية للمواطنين. وبدلا من العنوان الشخصي، تُحدد إقامة المواطنين البدو حسب انتمائهم العشائري.
لا ينعم سكان القرى غير المعترف بها بحق الانتخاب والترشيح للسلطة المحلية، ويرجع ذلك إلى أن هذه البلدات غير معترف بها وتفتقد للسلطة المحلية. لا يحق للبدو التصويت أو الترشيح كذلك في البلدات التي تقع ضمن نفوذ السلطات المحلية اليهودية، مع أنهم ملزمون في الكثير من الأحيان بدفع رسوم الأرنونا للسلطة مقابل الأراضي التي يستأجروها لأهداف زراعية

* التطوير الهزيل للقرى المعترف بها *
يقطن اليوم أكثر من نصف البدو في النقب في سبع بلدات معترف بها: تل السبع، رهط، كسيفه، عرعرة النقب، حورة واللقية. وعلى الرغم من أن عمر هذه البلدات يبلغ عشرين عامًا وأكثر، فهي لا تزال تفتقد للبنى التحتية اللائقة، ولا تستطيع أن توّفر لسكانها فرص عمل أو خدمات بلدية وحكومية بالمستوى اللائق. ولذلك لا تشكل هذه البلدات بديلا حقيقيا بالنسبة لسكان القرى غير المعترف بها.
تعاني القرى المعترف بها من عدة نواقص بارزة، وهي:
# منطقة نفوذ محدودة، مقارنًة مع مناطق النفوذ التابعة للبلدات اليهودية في النقب، الأمر الذي يصّعب من إمكانيات التطوير ويحد منها؛
# ميزانيات بلدية الأكثر تدنيا في إسرائيل؛
# المياه المخصصة لهم تقل كثيرًا عن تلك التي تخصص للبلدات اليهودية المجاورة؛
# انعدام بنى الصرف الصحي أو عدم تطويرها كما يجب؛
# شبكة الشوارع الداخلية بوضع رديء، وأحيانًا تنعدم الشوارع التي تصل هذه القرى بالشارع الرئيسي. يوجد في جميع البلدات (ما عدا رهط) شارع موصل واحد، الأمر الذي يصعب من الوصول إليها؛
# غياب خدمات المواصلات العامة، الداخلية منها والخارجية، مما يحد من امكانية الوصول إلى سوق العمل، ومؤسسات التعليم العالي، والمستشفيات وخدمات الشؤون الاجتماعية، والخدمات المالية والحكومية؛
# لا توجد خدمات خطوط هاتفية كافية وموثوق بها؛
# غياب المؤسسات العامة مثل المصارف والمكتبات العامة والبريد ومواقف السيارات والمراكز الجماهيرية؛
# الكثير من الصفوف التعليمية (وبعض المدارس) تعمل داخل الكرفانات.
* القرى غير المعترف بها: قصة المواطنين غير المرئيين *
يقطن حوالي 76 ألف مواطن بدوي في 45 قرية غير معترف بها من قبل السلطات، ولا تظهر في الخرائط الرسمية للدولة. بعض هذه القرى كان قائمًا قبل قيام الدولة، والبعض الآخر أقيم في الخمسينيات عندما طردت القبائل العربية البدوية من شمال غرب النقب إلى منطقة السياج.
لا تحصل القرى غير المعترف بها على الخدمات الحكومية المنظمة، وينعدم فيها جهاز الحكم المحلي. تتكون المباني القائمة في هذه القرى من مواد غير صلبة تحسبًا من عمليات الهدم التي تنفذها السلطات. بالإضافة إلى ذلك، تنعدم المؤسسات العامة والشوارع الموصلة.
ما يزيد عن نصف البيوت ليست موصولة بشبكة المياه، ويضطر المواطنون القيام بخطوات مختلفة من أجل الحصول على المياه. لم توصل هذه القرى أيضًا بشبكة الكهرباء، ومعظم السكان لا يملكون الثلاجات، كما وتفتقر الشوارع للإنارة. ينعدم في هذه القرى أيضًا جهاز الصرف الصحي مما يؤدي إلى إسقاطات بيئية وصحية خطيرة. تمر من بعض القرى قنوات صرف صحي مكشوفة تأتي من البلدات اليهودية المجاورة. تفتقر جميع هذه البلدات إلى هيئة لتجميع القمامة. تتميز أجهزة الصحة والتعليم والرفاه في القرى غير المعترف بها بمستواها البائس: العيادات القائمة غير كافية وهي توفر الخدمات الأساسية فقط. يقتصر ما تقدمه المدارس ومكاتب الرفاه الاجتماعي على الخدمات الأساسية فقط.
ويقول الباحثان: إن عمل التنظيمات البدوية والحقوقية الأخرى ضد مخطط المصادرة الجديد للحكومة الإسرائيلية، أدى إلى بعض الإنجازات: أولا، شكل عاملا هامًا في بلورة قرار حكومة براك من العام 2000 ، والذي يعتبر بادرة جديدة بكل ما يخص القرى غير المعترف بها، حيث تضمن القرار، أولا، الاعتراف بـ 9قرى من بين الـ 45 قرية غير معترف بها، وإقامة المجلس الإقليمي"أبو بسمة" لإدارة هذه القرى؛ ثانيًا، وضع هذا القرار حدا لمعادلة اشتراط منح الخدمات الحكومية للبدو بالتوصل إلى تسوية في قضية الأراضي؛ وثالثًا، مشاركة السكان من القرى غير المعترف بها في عملية اتخاذ القرارات.
اتخذت التنظيمات والنشطاء البدو دورًا فاعلا في الإجراءات القضائية التي اتخذت ضد الخطة الهيكلية للواء الجنوب. في العام 2000 ، قدم سكان القرى غير المعترف بها التماسًا للمحكمة العليا، بواسطة جمعية حقوق المواطن، بسبب عدم شمل القرى غير المعترف بها في الخطة الهيكلية في لواء الجنوب. وقد ألزمت المحكمة العليا الملتمسين والمجلس القطري للتخطيط والبناء التوصل إلى اتفاقية، حيث طلب تحضير خطة هيكلية لوائية جزئية تعالج مسألة القرى البدوية بمشاركة ممثلين عن المواطنين.
يشكل قرار المحكمة العليا وقرار حكومة باراك إنجازان بالغا الأهمية. ومع ذلك، لم يجر أي تقدم يذكر خلال الأعوام الخمس الماضية منذ صدور هذه القرارات. وأكثر من ذلك، إذ يبدو أن السلطات تنتهج سياسة المماطلة، حيث يتجّلى الأمر في الوتيرة البطيئة في تحضير الخطة الهيكلية اللوائية الجديدة، مقابل التنفيذ الجاري على قدم وساق لقرارات الحكومة في إقامة العشرات من المستوطنات اليهودية، ومزارع الأفراد في النقب. إضافًة إلى أن تنفيذ توصية المحكمة العليا بخصوص مشاركة البدو في مسار التخطيط تجري بشكل محدود للغاية.
كان قرار حكومة شارون الصادر في أيلول 2003 حول الخطة متعددة الأعوام لمعالجة قضايا الوسط البدوي في النقب، القرار الحكومي الأخير الذي اتخذ بهذا الشأن. على الرغم من أن القرار يصادق على قرار حكومة باراك الاعتراف بعدد من القرى، ويتطّرق إلى تطوير البنى التحتية والخدمات، إلا أنه يشدد بالأساس على مسألة فرض القانون. بناء على ذلك رصدت -في إطار هذا القرار- ميزانيات إضافية لجميع الأجسام التي تعمل على فرض القانون قررت الحكومة مؤخرًا إقامة هيئات جديدة تعمل على فرض قوانين الأرض. وفي حين وصلت ميزانية الخطة التي وضعتها حكومة شارون إلى 1.1 مليار شيكل، إلا أن جزءا كبيرا منها هو مجرد تحويل لميزانيات قائمة.
* ميزانيات غير ملائمة، واستغلال متدَنٍ *
من شأن التمعن في ميزانية الدولة أن يترك الانطباع بأن الحكومة ترصد مبالغ كبيرة لمعالجة ضائقة البدو في النقب. إلا أن الحديث هنا يدور عن أموال بعضها غير مستغل. فعلى سبيل المثال، تُظهر مراجعة بند التخطيط والتطوير (الذي يشمل إقامة الأحياء الجديدة، تحسين البنى التحتية..) لمديرية البدو أن نسبة الاستغلال تصل إلى 40 % فقط بمعدل سنوي عام. السلطات على دراية تامة بهذه النسبة المنخفضة، وعليه فإن تخصيص الميزانيات المرتفعة عاما بعد عام، ليست إلا تظاهر بسخاء السلطة دون أي غطاء على أرض الواقع.
* غياب الأفق الاقتصادي *
خلال معظم سنوات القرن ال 20 ، كانت الزراعة مصدر رزق البدو الأساسي. لكن الزراعة البدوية تضررت كثيرًا تحت سيطرة الحكم الإسرائيلي. أولا، فقد البدو الكثير من الأراضي خلال عملية طردهم إلى منطقة السياج. ثانيًا، أراضي منطقة السياج هي أكثر جفافًا من تلك الواقعة في النقب الشمال غربي. ثالثًا، تعتبر الدولة أراضي السياج تابعة لها، وبالتالي تتيح الفلاحة باتفاقية استئجار (لا تقتصر هذه الظاهرة على البدو، فـ93% من الأراضي تخضع لملكية الدولة، وبالتالي يستأجر معظم المزارعين اليهود الأراضي من الدولة؛ يكمن الفرق في أن المزارعين اليهود يستأجرون الأرض لفترة تبلغ 49 عاما مع إمكانية التمديد، كما ويستطيعون بالإضافة إلى ذلك استئجار أراضٍ أخرى باتفاقيات سنوية، بينما يشكل البديل الثاني الإمكانية القائمة الوحيدة بالنسبة للبدو. وعليه يُطلب من المزارعين البدو تجديد التصريح الذي يحصلون عليه من السلطات، وأحيانًا يكون عدم التجديد إمكانية واردة أو أنهم يحصلون على قسيمة أخرى غير تلك التي فلحوها في العام المنصرم)!
رابعًا، لا يحصل المزارعون البدو على حصص مياه كتلك التي تُمنح لجيرانهم من اليهود؛ هنالك بعض المزارعين الذين يحرمون من أي حصص من المياه، فيضطّرون، بالتالي، إلى دفع ثمن المياه حسب تسعيرة الاستعمال البيتي، التي تصل إلى 3.5 أضعاف سعر المياه المعدة لأهداف زراعية. لا يحظى البدو بالدعم الحكومي الذي يمنح للزراعة البعلية في سنوات الجفاف.
وأخيرًا، وبكل ما يتعلق بفلاحة القسائم التي لم يحصل البدو على المصادقة بخصوصها، تتبع السلطات سياسة مشددة، وتعتمد رش المحاصيل والقسائم بمواد كيميائية أو تقوم بحرثها.
بحث البدو، ومنذ فترة الانتداب، عن العمالة الأجيرة، لأن الزراعة وحدها لم تكن كافية كمصدر للرزق. عند قيام الدولة وحتى العام 1966 ، لم يُسمح للبدو الخروج من منطقة السياج وقبعوا تحت سيادة الحكم العسكري.كان الخروج من المنطقة مقترنًا باستصدار تصريح من قبل الحاكم العسكري، وكانت مصالح السكان اليهود الاقتصادية من بين الاعتبارات التي اتبعت سياسة التصاريح هذه بالحسبان. عانى النقب بأكمله خلال الخمسينيات من معدلات مرتفعة من البطالة، وتخوفت السلطات من أن يشغل البدو أماكن العمل المحتملة للقادمين الجدد، لكونهم أيادٍ عاملة رخيصة ولا يحصلون على حماية الهستدروت. عندما كان يتعذر على المشغلين اليهود إيجاد عمال يهود، وفقط عندها، كانوا يتوجهون للحاكم العسكري في طلب العمال البدو. وبذلك وجد البدو بعض الأعمال في تعبيد الشوارع والزراعة والكسارات والمناجم. و تم تشغيل القلائل منهم في أعمال شبه مهنية (النجارة وتصليح السيارات وما شابه).
ازدهر، في تلك الأعوام، فرع التهريب كمصدر للرزق، وتم القضاء عليه بتاتًا بعد حرب 1967 عندما احتُلت الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء. التجارة في أوساط البدو محدودة للغاية، وتفتقر البلدات البدوية لأي بنى تحتية لائقة للتشغيل. وعلى الرغم من كونها الأكثر فقرًا في إسرائيل، لم تحصل هذه البلدات على مكانة مناطق التطوير "أ"، التي تمنح التسهيلات الضريبية للمستثمرين. تتميز شركات الأعمال القائمة في هذه البلدات بصغرها، وتأثيرها على نسبة التشغيل ضئيلة. تشغل الشركات البارزة في النقب مثل: موتورولا، مصانع البحر الميت وما شابه، القليل من البدو.
بالإضافة، لا تشكل الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي بديلا تشغيليا حقيقيا. ولا يزيد عدد المتجندين عن المئات القليلة، وهم أقلية من بين الشباب البدو. كذلك لا يوفر الجيش الكثير من الفرص التشغيلية للجنود المسرحين.