تقرير: لجنة الأربعين
حين تستمع إلى أهالي قريتي النواقير وجورديه المتاخمتين للحدود الاسرائيلية اللبنانية، هذه الايام، تخال أن اكثر ما يقلقهم بعد الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، في تموز 2006، هو عدم وجود ملاجئ خاصة او عامة تحميهم اذا ما عادت واندلعت النيران في المنطقة. ولقلق سكان النواقير وجورديه ومعهما عرب العرامشة ما يبرره، ففي الحرب الاخيرة تحولت بلداتهم الى ساحات حرب، من محيطها اطلق الجيش الاسرائيلي نيرانه على الاراض اللبنانية، وعلى اراضيها سقطت عشرات صواريخ الكاتيوشا التي اطلقها حزب الله. وقد ازدادت حدة هذا القلق بعد الكارثة التي خلفها سقوط احد الصواريخ على احد منازل عرب العرامشة، ما اسفر عن مقتل ثلاثة مواطنين.
والخوف من الآتي تسمعه في كل عبارة يقولها سكان النواقير وجرديه. وهذا ما يتوجس منه عرسان مغيس، ابو محمد، من سكان النواقير، الذي يقول: "نحن نعيش بمحاذاة الحدود وكل دوي رصاصة يخيفنا".
ويضيف "ان الخوف تعزز بعد الحرب الاخيرة، فمع سقوط الصواريخ، اضطر العديد من سكان القرية الى الهرب، منهم من ذهب الى القدس ومنهم من ذهب الى بلدات عربية في الداخل. لكن العجزة والمسنين، الذين لا حول لهم ولا قوة، صمدوا هناك، في بيوتهم، رغم تعرضهم للصواريخ ومخاطرها".
الحديث عن الحرب الاخيرة كان مقدمة للحديث الواسع عن قرية النواقير، واختها جرديه، وهما من القرى العربية التي ترفض السلطات الاسرائيلية الاعتراف بها، وتسعى جاهدة الى ترحيل سكانها.
مضايقات مضاعفة
واذا كان سكان القرى غير المعترف بها في الداخل يواجهون الملاحقة من قبل سلطات التنظيم وما تحمله اليهم من اوامر هدم واستدعاءات الى المحاكم وحرمان من الخدمات، فان سكان النواقير وجورديه يواجهون الى جانب ذلك كله، مضايقة متواصلة من قبل سلطات الجيش، ايضا. ويقول مغيس ان "قوات الامن والجيش لا يريدون أي عربي هنا. لكننا نعيش ونسكن على ارضنا وارض اهلنا واجدادنا قبل قيام اسرائيل، وبقينا وما زلنا نتمسك بترابنا رغم كل ما واجهناه منذ حرب 1948 التي شردت اهلنا وجعلت قسما منهم يعيشون وراء الشريط الحدودي في الاراضي اللبنانية." ويؤكد باصرار: "ارضنا مطوبة وفيها كواشين مثبتة، ولن نتخلى عنها" .
في النواقير تعيش اليوم سبع عائلات، تضم 50 نفرا، وفي جورديه 5 عائلات تضم 33 نفرا. وهؤلاء هم من تبقوا من سكان القريتين الذين اضطر عدد منهم الى الرحيل جراء سياسة الهدم والمصادرة وسعيا للحصول على الخدمات التي يحرم منها سكان القرى غير المعترف بها عنوة. وحسب ما ذكره الاهالي فان عدد العائلات التي تركت النواقير هي اربع عائلات فقط، وكان ذلك قبل حوالي 4 سنوات. واكدوا ان المهم هو رفض تلك العائلات بيع اراضيها او التخلي عنها.
وحسب ما ابلغنا به الاهالي، ايضا، فان مواطنا من النواقير ومواطنين من جورديه قدموا الى المحاكمة مؤخرا بتهمة البناء غير المرخص.
الا يحق لنا ما يحق لسكان زرعيت؟
في هوياتهم سجل الاهالي في النواقير وجرديه على انهم مواطنون في قرية عرب العرامشة، التي اقيمت الى الشمال الشرقي من القريتين في اطار مخطط سلطوي هدف الى تهجير سكان القرى الصغيرة وتجميعهم في بلدات اقيمت لهذا الغرض. لكن الاهالي الذين رفضوا الرحيل وتمسكوا باراضيهم واصلوا العيش رغم كل المصاعب ورغم كل المعاناة والحرمان.
وينضم صادق مغيس، ابو توفيق، الى محدثنا ابو محمد، ويتساءل: "الا يحق لنا ان نعيش بكرامة ونحصل على كامل حقوقنا مثل أي مواطن اخر؟ الا يحق لنا ما يحق للمواطنين اليهود الذين احضروهم الى المنطقة واقاموا لهم بلدة زرعيت المجاورة، او بلدة ادميت التي اقاموها انقاض القرية العربية المهجرة ادمث وعلى اراضي العرامشة؟. ويضيف: "قارن بين الخدمات في النواقير وجوردية وتلك التي يحصل عليها سكان القرى اليهودية المحاذية. الا يجعلك هذا الفارق الشاسع تصرخ: هل كانت الصواريخ التي سقطت هنا تفرق بين بيت يهودي او بيت عربي"؟
ويضيف: "قرانا تنقصها خدمات كثيرة لا يمكن للانسان العيش بدونها، لكن هناك نواقص اخرى يفترض بالدولة التي تدعي الديموقراطية وحماية الفئات الاجتماعية الضعيفة والمسنين ان تقدمها للاهالي هنا. فكما ترى نسبة كبيرة من الاهالي هنا هم من كبار السن، فلماذا لا تقدم لهم الخدمات الاجتماعية التي يستحقونها؟ لماذا لا تهتم وزارة الصحة بالنساء فتقدم لهن الخدمات الصحية من تطعيم ورعاية الحوامل واطفالهم؟ وكذلك الامر بالنسبة للشباب، لماذا لا يوجد أي اطار تربوي يستفيدون منه؟".
اسئلة كثيرة ومتواصلة يطرحها الاهالي، لكن السلطات تتجاهلها، فبالنسبة لها لا يوجد على خارطتها في هذه المنطقة الا بيوت تسعى لهدمها.. ولذلك تحرم سكانها من الخدمات وتسعى بكل الوسائل الى ترحيلهم.
"بجريرةالورد يشرب العليق"
مع ذلك يبدو وكما يقول ابو محمد انه " بجريرةالورد يشرب العليق"، فقد "تم ربط بيوت النواقير بالكهرباء، لان السلطات اضطرت الى ايصال الكهرباء الى المنطقة كونها حدودية ولخدمة الجيش الاسرائيلي بالاساس، واضطرت الى التجاوب مع طلب الاهالي وانارة بيوتنا". وكذلك الامر بالنسبة للطريق الموصل الى القريتين، فقد اضطرت السلطات الى شق طريق حدودي للجيش، وهو الطريق الذي يستخدمه الاهالي اليوم، علما انهم كانوا الى ما قبل سنوات قليلة يمنعون من دخول هذا الطريق ويضطرون الى سلوك طرق وعرية.
"اما شبكة الماء فقد اهتم بها اهلنا في عرب العرامشة الذين مدوا خطا للمياه بقطر 2 إنش".
باستثناء ذلك لا يحظى اهالي النواقير وجورديه باية خدمات.
حول المستقبل الذي يرتأونه مناسبا لحل قضيتهم، يؤكد اهالي النواقير وجورديه تمسكهم بالبقاء على ارضهم ويقولون ان افضل حل لمشكلة الاعتراف بهم يكمن بتوسيع منطقة نفوذ عرب العرامشة وضمهم اليها.
وقد توجه السكان الى لجنة الاربعين طالبين مساعدتهم على تحقيق هذا الحل، واثنوا على ما قامت به طوال السنوات الماضية من جهود كبيرة لحل مشكلة القرى غير المعترف بها وتثبيت اهلها على اراضيهم.
واكد ابو توفيق ان احد اولاده تلقى مؤخرا رسالة من المجلس الاقليمي "ماطيه آشر" الذي تقع النواقير وجورديه في منطقة نفوذه، يؤكد فيها موافقته على ضمهما الى العرامشة .
وتوجه مندوب لجنة الأربعين الى رئيس اللجنة المحلية في عرب العرامشة محمد ابو عدنان وطرح امامه الفكرة فرحب بها وقال انه يعمل جاهدا لاجل توسيع مسطح العرامشة "حتى نستطيع ضم النواقير وجوردية". وقال انه سيتم قريبا ايداع خارطة مفصلة تضم البلدتين .
ام سليمان: ذاكرة جورديه
في جورديه، توأم النواقير، التقينا بالمسنة نمرة عباس، ام سليمان. كانت تجلس في باحة منزلها الذي يؤكد كل واحد من حجارته القديمة ما عاصره هذا المنزل من حقبات التاريخ.
ام سليمان تبلغ من العمر 86 عاما او اكثر، لكن الخدود العميقة التي خلفها العمر على صفحات وجنتيها لم تنل من صمودها وتمسكها بالارض والبيت، لا بل تؤكد تجذرها عميقا ببلدتها.
الحديث مع ام سليمان اخذنا الى الماضي، الى الحياة في هذه البلدة، الى النكبة التي شردت اهل بلدتها وجعلتهم بعيدا عنها، رغم ان بيوتهم لا تبعد الا امتار قليلة عن منزلها القريب من الشريط الحدودي. انها تملك ذاكرة قوية وتعمل كل ما بوسعها لتوريث هذه الذاكرة لابنتها التي تقيم معها.
في الحرب الاخيرة اصاب احد صواريخ الكاتيوشا احد اطراف منزل ام سليمان، واحدث اضرار بالغة، لكن المنزل الذي عاصر التاريخ الحديث للبلدة، والذي تؤكد ام سليمان انه بني قبل 1945 صمد كما صمد امام كل المحاولات الاسرائيلية لهدمه وترحيل اصحابه.
"يوم سقط الصاروخ"، تقول ام سليمان، وهي تشير الى بقايا الصاروخ التي لا تزال تحتفظ بها: "اصيبت ابنتي دلة بحالة خوف شديد، وتم نقلها الى مستشفى نهريا لكن الله لطف بها كما لطف بنا". وتتساءل ام سليمان: "سمعت انهم في الحكومة عوضوا اصحاب البيوت التي تضررت في الحرب، فلماذا لا يعوضنا احد عما لحق بنا من دمار؟"
وتروي ام سليمان ان جنديا اسرائيليا اتخذ من منزلها متراسا يوم الحرب، واخذ يطلق من داخله النيران باتجاه الاراضي اللبنانية. وتتساءل: هل يحق لهذا الجندي ان يتخذ منا درعا واقيا؟ الم يحسب ان قيامه باطلاق النار من منزلنا يعرضنا للخطر؟
وعن اوضاع البلدة وما تتعرض له من مضايقات سلطوية تقول ام سليمان متسائلة: "ماذا يريدون منا، حقوقنا مهضومة وضائعة، فماذا الذي يريدونه، هل سيمنعون عنا الهواء؟ لمن نشتكي امرنا، للعبد ام للسيد؟"، ثم تقسم ان "الشكوى لغير الله مذلة" .
وتضيف: "انا عجوز لم يتبق لي الا هذا المنزل. اتعرف، انهم يرفضون حتى السماح لي ببناء مرحاض صغير"!.
وتضيف: "ترى لو كان يسكن مكاننا مواطن يهودي فهل تقبل السلطات ان يعيش في مثل ظروفنا؟ والله كانوا سيجعلونه يعيش في جنة هنا" .
"لكن الحال يختلف عندما يكون المقصود العرب"، تقول ام سليمان، ثم تؤكد باصرار واضح: "نعم عرب ونعتز ونفتخر" .
وترى ام سليمان ان المصير الواحد يربط النواقير وجورديه. وتقول: "كل واحد ترك ارضه وذهب وراء ما يسمونه تقدم وتطور هو الخاسر". وتستعين بمثل عربي لتأكيد موقفها قائلة: "اللي بترك أرضه يسهل عليه التفريط بعرضه" .
لجنة الاربعين: ندعم مطالب اهلنا في جورديه والنواقير
وقالت لجنة الاربعين في تعقيبها على المطالب التي طرحها اهالي جورديه والنواقير انها تدعم كافة هذه المطالب، وبشكل خاص الحل التخطيطي الذي يرتئيه الاهالي مناسبا لانهاء معاناتهم وتحقيق الاعتراف بهم وبملكيتهم على اراضيهم.
وقال رئيس لجنة الأربعين، محمد ابو ضعوف، ان اللجنة ستبادر إلى مراسلات واجتماعات مع كافة الجهات المعنية لطرح مطالب جورديه والنواقير والعمل على تحقيق الاعتراف بالقريتين وتوفير كافة الخدمات لسكانها، مؤكدا ان الموقع الجغرافي للقريتين، على الحدود، يحتم على السلطات التعجيل بمعالجة هذه القضية وتوفير كل ما يتطلب من اجل تحقيق الحياة الكريمة والامن والاستقرار لاهالي البلدين.
Mister Wong
Digg
Del.icio.us
Slashdot
Furl
Yahoo
Technorati
Newsvine
Googlize this
Blinklist
Facebook
Wikio