انت متواجد الان في: الصفحة الرئيسية ابحاث ومعلومات

دراسات وابحاث

جورديه والنواقير: لا سياسة الاقتلاع أخضعتهما ولا الصواريخ


تقرير: لجنة الأربعين

حين تستمع إلى أهالي قريتي النواقير وجورديه المتاخمتين للحدود الاسرائيلية اللبنانية، هذه الايام، تخال أن اكثر ما يقلقهم بعد الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، في تموز 2006، هو عدم وجود ملاجئ خاصة او عامة تحميهم اذا ما عادت واندلعت النيران في المنطقة. ولقلق سكان النواقير وجورديه ومعهما عرب العرامشة ما يبرره، ففي الحرب الاخيرة تحولت بلداتهم الى ساحات حرب، من محيطها اطلق الجيش الاسرائيلي نيرانه على الاراض اللبنانية، وعلى اراضيها سقطت عشرات صواريخ الكاتيوشا التي اطلقها حزب الله. وقد ازدادت حدة هذا القلق بعد الكارثة التي خلفها سقوط احد الصواريخ على احد منازل عرب العرامشة، ما اسفر عن مقتل ثلاثة مواطنين.
والخوف من الآتي تسمعه في كل عبارة يقولها سكان النواقير وجرديه. وهذا ما يتوجس منه عرسان مغيس، ابو محمد، من سكان النواقير، الذي يقول: "نحن نعيش بمحاذاة الحدود وكل دوي رصاصة يخيفنا".
ويضيف "ان الخوف تعزز بعد الحرب الاخيرة، فمع سقوط الصواريخ، اضطر العديد من سكان القرية الى الهرب، منهم من ذهب الى القدس ومنهم من ذهب الى بلدات عربية في الداخل. لكن العجزة والمسنين، الذين لا حول لهم ولا قوة، صمدوا هناك، في بيوتهم، رغم تعرضهم للصواريخ ومخاطرها".
الحديث عن الحرب الاخيرة كان مقدمة للحديث الواسع عن قرية النواقير، واختها جرديه، وهما من القرى العربية التي ترفض السلطات الاسرائيلية الاعتراف بها، وتسعى جاهدة الى ترحيل سكانها.

مضايقات مضاعفة
واذا كان سكان القرى غير المعترف بها في الداخل يواجهون الملاحقة من قبل سلطات التنظيم وما تحمله اليهم من اوامر هدم واستدعاءات الى المحاكم وحرمان من الخدمات، فان سكان النواقير وجورديه يواجهون الى جانب ذلك كله، مضايقة متواصلة من قبل سلطات الجيش، ايضا. ويقول مغيس ان "قوات الامن والجيش لا يريدون أي عربي هنا. لكننا نعيش ونسكن على ارضنا وارض اهلنا واجدادنا قبل قيام اسرائيل، وبقينا وما زلنا نتمسك بترابنا رغم كل ما واجهناه منذ حرب 1948 التي شردت اهلنا وجعلت قسما منهم يعيشون وراء الشريط الحدودي في الاراضي اللبنانية." ويؤكد باصرار: "ارضنا مطوبة وفيها كواشين مثبتة، ولن نتخلى عنها" .
في النواقير تعيش اليوم سبع عائلات، تضم 50 نفرا، وفي جورديه 5 عائلات تضم 33 نفرا. وهؤلاء هم من تبقوا من سكان القريتين الذين اضطر عدد منهم الى الرحيل جراء سياسة الهدم والمصادرة وسعيا للحصول على الخدمات التي يحرم منها سكان القرى غير المعترف بها عنوة. وحسب ما ذكره الاهالي فان عدد العائلات التي تركت النواقير هي اربع عائلات فقط، وكان ذلك قبل حوالي 4 سنوات. واكدوا ان المهم هو رفض تلك العائلات بيع اراضيها او التخلي عنها.
وحسب ما ابلغنا به الاهالي، ايضا، فان مواطنا من النواقير ومواطنين من جورديه قدموا الى المحاكمة مؤخرا بتهمة البناء غير المرخص.
الا يحق لنا ما يحق لسكان زرعيت؟
في هوياتهم سجل الاهالي في النواقير وجرديه على انهم مواطنون في قرية عرب العرامشة، التي اقيمت الى الشمال الشرقي من القريتين في اطار مخطط سلطوي هدف الى تهجير سكان القرى الصغيرة وتجميعهم في بلدات اقيمت لهذا الغرض. لكن الاهالي الذين رفضوا الرحيل وتمسكوا باراضيهم واصلوا العيش رغم كل المصاعب ورغم كل المعاناة والحرمان.
وينضم صادق مغيس، ابو توفيق، الى محدثنا ابو محمد، ويتساءل: "الا يحق لنا ان نعيش بكرامة ونحصل على كامل حقوقنا مثل أي مواطن اخر؟ الا يحق لنا ما يحق للمواطنين اليهود الذين احضروهم الى المنطقة واقاموا لهم بلدة زرعيت المجاورة، او بلدة ادميت التي اقاموها انقاض القرية العربية المهجرة ادمث وعلى اراضي العرامشة؟. ويضيف: "قارن بين الخدمات في النواقير وجوردية وتلك التي يحصل عليها سكان القرى اليهودية المحاذية. الا يجعلك هذا الفارق الشاسع تصرخ: هل كانت الصواريخ التي سقطت هنا تفرق بين بيت يهودي او بيت عربي"؟

ويضيف: "قرانا تنقصها خدمات كثيرة لا يمكن للانسان العيش بدونها، لكن هناك نواقص اخرى يفترض بالدولة التي تدعي الديموقراطية وحماية الفئات الاجتماعية الضعيفة والمسنين ان تقدمها للاهالي هنا. فكما ترى نسبة كبيرة من الاهالي هنا هم من كبار السن، فلماذا لا تقدم لهم الخدمات الاجتماعية التي يستحقونها؟ لماذا لا تهتم وزارة الصحة بالنساء فتقدم لهن الخدمات الصحية من تطعيم ورعاية الحوامل واطفالهم؟ وكذلك الامر بالنسبة للشباب، لماذا لا يوجد أي اطار تربوي يستفيدون منه؟".
اسئلة كثيرة ومتواصلة يطرحها الاهالي، لكن السلطات تتجاهلها، فبالنسبة لها لا يوجد على خارطتها في هذه المنطقة الا بيوت تسعى لهدمها.. ولذلك تحرم سكانها من الخدمات وتسعى بكل الوسائل الى ترحيلهم.

"بجريرةالورد يشرب العليق"
مع ذلك يبدو وكما يقول ابو محمد انه " بجريرةالورد يشرب العليق"، فقد "تم ربط بيوت النواقير بالكهرباء، لان السلطات اضطرت الى ايصال الكهرباء الى المنطقة كونها حدودية ولخدمة الجيش الاسرائيلي بالاساس، واضطرت الى التجاوب مع طلب الاهالي وانارة بيوتنا". وكذلك الامر بالنسبة للطريق الموصل الى القريتين، فقد اضطرت السلطات الى شق طريق حدودي للجيش، وهو الطريق الذي يستخدمه الاهالي اليوم، علما انهم كانوا الى ما قبل سنوات قليلة يمنعون من دخول هذا الطريق ويضطرون الى سلوك طرق وعرية.


"اما شبكة الماء فقد اهتم بها اهلنا في عرب العرامشة الذين مدوا خطا للمياه بقطر 2 إنش".
باستثناء ذلك لا يحظى اهالي النواقير وجورديه باية خدمات.
حول المستقبل الذي يرتأونه مناسبا لحل قضيتهم، يؤكد اهالي النواقير وجورديه تمسكهم بالبقاء على ارضهم ويقولون ان افضل حل لمشكلة الاعتراف بهم يكمن بتوسيع منطقة نفوذ عرب العرامشة وضمهم اليها.
وقد توجه السكان الى لجنة الاربعين طالبين مساعدتهم على تحقيق هذا الحل، واثنوا على ما قامت به طوال السنوات الماضية من جهود كبيرة لحل مشكلة القرى غير المعترف بها وتثبيت اهلها على اراضيهم.
واكد ابو توفيق ان احد اولاده تلقى مؤخرا رسالة من المجلس الاقليمي "ماطيه آشر" الذي تقع النواقير وجورديه في منطقة نفوذه، يؤكد فيها موافقته على ضمهما الى العرامشة .
وتوجه مندوب لجنة الأربعين الى رئيس اللجنة المحلية في عرب العرامشة محمد ابو عدنان وطرح امامه الفكرة فرحب بها وقال انه يعمل جاهدا لاجل توسيع مسطح العرامشة "حتى نستطيع ضم النواقير وجوردية". وقال انه سيتم قريبا ايداع خارطة مفصلة تضم البلدتين .

ام سليمان: ذاكرة جورديه


في جورديه، توأم النواقير، التقينا بالمسنة نمرة عباس، ام سليمان. كانت تجلس في باحة منزلها الذي يؤكد كل واحد من حجارته القديمة ما عاصره هذا المنزل من حقبات التاريخ.

ام سليمان تبلغ من العمر 86 عاما او اكثر، لكن الخدود العميقة التي خلفها العمر على صفحات وجنتيها لم تنل من صمودها وتمسكها بالارض والبيت، لا بل تؤكد تجذرها عميقا ببلدتها.
الحديث مع ام سليمان اخذنا الى الماضي، الى الحياة في هذه البلدة، الى النكبة التي شردت اهل بلدتها وجعلتهم بعيدا عنها، رغم ان بيوتهم لا تبعد الا امتار قليلة عن منزلها القريب من الشريط الحدودي. انها تملك ذاكرة قوية وتعمل كل ما بوسعها لتوريث هذه الذاكرة لابنتها التي تقيم معها.
في الحرب الاخيرة اصاب احد صواريخ الكاتيوشا احد اطراف منزل ام سليمان، واحدث اضرار بالغة، لكن المنزل الذي عاصر التاريخ الحديث للبلدة، والذي تؤكد ام سليمان انه بني قبل 1945 صمد كما صمد امام كل المحاولات الاسرائيلية لهدمه وترحيل اصحابه.
"يوم سقط الصاروخ"، تقول ام سليمان، وهي تشير الى بقايا الصاروخ التي لا تزال تحتفظ بها: "اصيبت ابنتي دلة بحالة خوف شديد، وتم نقلها الى مستشفى نهريا لكن الله لطف بها كما لطف بنا". وتتساءل ام سليمان: "سمعت انهم في الحكومة عوضوا اصحاب البيوت التي تضررت في الحرب، فلماذا لا يعوضنا احد عما لحق بنا من دمار؟"

وتروي ام سليمان ان جنديا اسرائيليا اتخذ من منزلها متراسا يوم الحرب، واخذ يطلق من داخله النيران باتجاه الاراضي اللبنانية. وتتساءل: هل يحق لهذا الجندي ان يتخذ منا درعا واقيا؟ الم يحسب ان قيامه باطلاق النار من منزلنا يعرضنا للخطر؟
وعن اوضاع البلدة وما تتعرض له من مضايقات سلطوية تقول ام سليمان متسائلة: "ماذا يريدون منا، حقوقنا مهضومة وضائعة، فماذا الذي يريدونه، هل سيمنعون عنا الهواء؟ لمن نشتكي امرنا، للعبد ام للسيد؟"، ثم تقسم ان "الشكوى لغير الله مذلة" .
وتضيف: "انا عجوز لم يتبق لي الا هذا المنزل. اتعرف، انهم يرفضون حتى السماح لي ببناء مرحاض صغير"!.
وتضيف: "ترى لو كان يسكن مكاننا مواطن يهودي فهل تقبل السلطات ان يعيش في مثل ظروفنا؟ والله كانوا سيجعلونه يعيش في جنة هنا" .
"لكن الحال يختلف عندما يكون المقصود العرب"، تقول ام سليمان، ثم تؤكد باصرار واضح: "نعم عرب ونعتز ونفتخر" .
وترى ام سليمان ان المصير الواحد يربط النواقير وجورديه. وتقول: "كل واحد ترك ارضه وذهب وراء ما يسمونه تقدم وتطور هو الخاسر". وتستعين بمثل عربي لتأكيد موقفها قائلة: "اللي بترك أرضه يسهل عليه التفريط بعرضه" .
لجنة الاربعين: ندعم مطالب اهلنا في جورديه والنواقير
وقالت لجنة الاربعين في تعقيبها على المطالب التي طرحها اهالي جورديه والنواقير انها تدعم كافة هذه المطالب، وبشكل خاص الحل التخطيطي الذي يرتئيه الاهالي مناسبا لانهاء معاناتهم وتحقيق الاعتراف بهم وبملكيتهم على اراضيهم.
وقال رئيس لجنة الأربعين، محمد ابو ضعوف، ان اللجنة ستبادر إلى مراسلات واجتماعات مع كافة الجهات المعنية لطرح مطالب جورديه والنواقير والعمل على تحقيق الاعتراف بالقريتين وتوفير كافة الخدمات لسكانها، مؤكدا ان الموقع الجغرافي للقريتين، على الحدود، يحتم على السلطات التعجيل بمعالجة هذه القضية وتوفير كل ما يتطلب من اجل تحقيق الحياة الكريمة والامن والاستقرار لاهالي البلدين.

 

وعد نقطعه على انفسنا وعلى اهلنا في القرى غير المعترف بها:مواصلة النضال والعمل لتحصيل الاعتراف حتى اخر قرية او مجمع غير معترف به/ محمد أبو ضعوف*

مضى أكثر من عشر سنوات على بداية اعتراف دولة اسرائيل باوائل القرى العربية غير المعترف بها .

في اواخر عام 1994 بدأ الاعتراف الرسمي بهذه القرى، حيث تم منذ حينه الاعتراف بقرى عين حوض والخوالد وضميده والكمانة والعريان والحسينيه ورأس النبع والحميره وعرب النعيم، وكلها تقع في منطقة الجليل في الشمال، باستثناء العريان التي تقع في منطقة وادي عارة في المثلث الشمالي.

وفي النقب تم الاعتراف بقرى قصر السر (الهواشلة) وأم متنان (ابو قرينات) وبير هداج، وكحلة وأم بطين والأطرش والترابين (عمرة) والدريجات والفرعة وأبو تلول. لكنه ما زالت هناك عشرات القرى التي ينتظر اهلها الاعتراف، الذي يعني اولا وقبل كل شيء، ضمان الاعتراف بملكية الاراضي لاصحابها في ظل سياسة النهش والمصادرة التي لا تعرف الحدود.

هذه الاعترافات تبعث فينا الأمل بأن نضالنا وصمودنا قد اثمر و لم يذهب سدى .

اليوم، اكثر من اي وقت مضى، علينا تكثيف جهودنا وصمودنا، اذ ما زال أمامنا الكثير من العمل -ربما اكثر من الماضي. ولا نبالغ اذا قلنا ان مؤامرة – تحاك - لعرقلة الاعتراف بالكثير من القرى التي تنتظر الاعتراف بها، ونوايا مصادرة الاراضي العربية ما زالت قائمة، ما يجعلنا نتخوف بان تكون النوايا لحل مشاكل المستوطنين الخارجين من غزة على حساب اراضينا سواء في الجليل او النقب .

فبالاضافه الى عملنا من اجل الاعتراف، ومن اجل توفير بعض الخدمات الاساسية للسكان للتسهيل من معاناتهم اليومية حتى تحصيل- الاعتراف المنشود , امامنا اليوم مجال عمل لا يقل أهمية وهو العمل مع تلك القرى التي تم الاعتراف بها.

هناك حاجة الى ضمان اعداد خرائط هيكلية لتلك القرى تفي باحتياجاتها, إذ لا يعقل ان تكون خرائط اغلبية هذه القرى تكاد لا تفي بالمطلوب اليوم , فما بالك بعد عشر سنوات !!!

مثال على ذلك خارطة عين حوض الهيكلية التي اعدتها الحكومة بشكل لا يترك امامها اي مستقبل للتوسع والتطور، وكذلك عرب النعيم والحسينية، وفي الواقع خرائط كل القرى التي تم الاعتراف بها لا تفي باحتيجات سكانها. ان هذا الوضع هو بمثابه قنبلة موقوته وما لم يتم معالجته حالا فالعواقب ستكون وخيمة.

علينا مواجهة العقبات التي تعيق المصادقه على تلك الخرائط كما حدث في الكمانة، حيث لم يتم ضم حي الجلسة منذ البداية، مما اضطر الاهالي الى التوجه للمحكمة العليا، وكذلك علينا متابعة التغيير الذي يحصل في الحسينيه وعدم تجاوب المؤسسات مع احتياجات السكان.

امر آخر يعتبر مهماً وخطيرا ويتحتم علينا متابعته هو قضية البناء على الاراضي التي حصلت عليها القرى من دائرة اراضي اسرائيل , حيث يلزم السكان ببناء وحدتي سكن على نصف دونم من الأرض، بينما ينعم سكان المستوطنات المحيطه بنا بالعيش على قطع بناء واسعة جداً.

الأمر الاخر يتعلق بكون غالبية القرى التي تم الاعتراف بها تقع ضمن مجالس اقليمية يهودية تطلب منا المساواة المعكوسة، اي ان نتساوى في دفع الضرائب متناسين اننا في اسفل السلم الاقتصادي في الدولة والبطالة تنخر فينا كالسوس، بينما يحتل سكان المستوطنات المراتب المتقدمة من العُشر الاعلى للسلم الاقتصادي في الدولة، بالاضافة الى المنح والتسهيلات التي يحصلون عليها.

هذه القضايا وغيرها تضع امامنا تحديات كبيرة، لكنها لن تثنينا عن مواصلة العمل، ونقطع على انفسنا، وامام سكان قرانا، عهدا لا تراجع عنه: مواصلة النضال والعمل حتى تحصيل الاعتراف بكل قرية او مجمع غير معترف به.

*رئيس لجنة الأربعين

 

ضميده : عشر سنوات على الاعتراف الرسمي بها

الناظر الى قرية ضميدة، اليوم، بعد مرور عشر سنوات على اعتراف حكومة اسرائيل بها، لن يساوره اي شك بأن السكان بدأوا بقطف ثمار هذا الاعتراف، خاصة في مجال الخدمات والبنى التحتية وغيرها من متطلبات الحياة التي حرموا منها على مدار سنوات كثيرة.
لقد تم الاعتراف الرسمي في بداية عام 1995، بعد سنوات طويلة خاضها الاهالي ضد سياسة هدم المنازل والحرمان من الخدمات، وبعد سنوات من النضال الشعبي والمطالبة المتواصلة بالحقوق، ومحاولة توفير اقل ما يمكن من الخدمات للسكان بانفسهم وبمساعدة لجنة الاربعين، التي قامت في العام 1988، وعملت يدا بيد مع سكان ضميده واخواتها من القرى من اجل تحقيق الاعتراف وتلقي الخدمات.
عندما صدر قرار الاعتراف بالقرية، بدأ العمل على اعداد خارطة هيكليه لها. الا ان البيروقراطية الاسرائيلية وسياسة المماطلة اخرت المصادقة على الخارطة حتى نهاية عام 1998، وعندها باتت في متناول ايدي اهالي ضميدة، ولأول مرة، امكانية استصدار رخص للبناء والحصول على الميزانيات لتنفيذ مشاريع البنى التحتيه على مختلف أنواعها .

تقع قرية ضميده على الطريق المؤدي من قرية كفر مندا الى سخنين , وتتبع للمجلس الاقليمي "مسغاف"، ويبلغ عدد سكانها اليوم نحو 500 نسمة.

في العام 1995، وبعد الاعتراف بالقرية انتخب ابنها محمد ابو ضعوف رئيسا للجنة المحلية وما زال يشغل هذا المنصب حتى اليوم، ويعمل من خلال عضويته في المجلس الاقليمي مسغاف، على بناء قريته التي عانت سنوات طويلة من الحرمان، الى جانب نشاطه في ادارة لجنة الاربعين، ومن ثم كرئيس لها، لتحقيق الاعتراف وتثبيت ما تبقى من القرى غير المعترف بها على اراضيها، وتحصيل الخدمات لسكانها.

يقول محمد ابو ضعوف: "العمل لاخراج الاعتراف الى حيز التنفيذ لم يكن سهلا , لقد اثمر نضالنا في الحصول على خارطة هيكليه مساحتها 650 دونما وعلى منطقة نفوذ تمتد على 4000 دونم وهذا ليس بالامر السهل. بعد المصادقه على الخارطه الهيكليه عام 1998 حصرنا اهتمامنا في اعداد الخرائط للمباني العامة والبنى التحتية كالشوارع وخطوط المجاري والمياه وغيرها .وقد سهل علينا نجاحنا في ذلك، الحصول لاحقا على الميزانيات لانجاز المشاريع التي حققناها للاهالي".

ويضيف ابو ضعوف: "في المرحله الاولى بدأنا العمل لتجنيد الميزانيات للمشاريع المختلفة التي تحتاجها القرية، وتمكنا حتى اليوم من انجاز مشاريع ضخمة، قياسا مع ما عانته القرية في سنوات سابقة. ومن المشاريع التي تم انجازها :
- شق وتعبيد جميع الطرق الداخلية بتمويل من وزارة الاسكان
- استكمال المدخل الرئيسي للقريه بتمويل من شركة "ماعاتس"
استكمال مشروع شبكة الماء داخل القريه بتمويل من وزاره الاسكان.

استكمالخطالماءالرئيسيالمؤديللقريهبتمويلمنشركهميكوروت،وهو المشروع الذي كنا قد بدأناه بدعم من لجنة الأربعين وجمعية الجليل للخدمات الصحية.

استكمال مشروع المجاري بالكامل وربط جميع بيوت القرية. وقد حصلنا لهذا الغرض على منحة بقيمة 50% من تكلفة المشروع، من دائرة المجاري القطرية، فيما استكمل التكلفة المتبقية مجلس مسغاف الاقليمي. يشار الى أن كل من يتقدم من السكان لاستصدار رخصة بناء يدفع ضريبة مجاري حسب مساحة البيت.

استكمال مشروع ربط بيوت القرية ومنشآتها وشوارعها بشبكة الكهرباء.

انهاء مشروع ربيط القرية بشبكة الهاتف ( بيزك ) بحيث انجز المشروع بانشاء البنية التحتية حسب المعايير العصرية. وقد تم مد خطوط الشبكة تحت الارض تجنبا لنصب اعمدة في الشارع .

- يجري العمل الان في مشروع تبليط الارصفة وانارة الشوارع بتمويل من وزارة الاسكان.

كما تم بناء روضه حديثة بتمويل وزارة المعارف. اضافة الى ذلك يتواصل العمل في انشاء بناية متعددة الاهداف حيث ستضم اللجنة المحلية , عيادة لصندوق المرضى , نادي للشباب بتمويل من وزاره الاسكان. ويمر العمل في البناء في مراحله الأخيرة.

كما تم الانتهاء من اقامة الملعب الرياضي وتزويده بالاضاءة لاستغلاله في ساعات المساء. وقد مولته وزارة الداخلية.

ويضيف ابو ضعوف ان العمل يجري الان على اقامه اول مسجد في تاريخ ضميده. لكنه يشير الى انه "رغم نجاحنا في الحصول على الميزانيات للمشاريع المختلفة, الا اننا لم ننجح في تجنيد الميزانيات المطلوبة لبناء المسجد، ونعتمد في ذلك على جمع التبرعات من اهل الخير. لهذا السبب يسير العمل ببطء، وربما يستغرق الكثير من الوقت"
"هذا لا يعني اننا انجزنا كل المشاريع في القرية"، يضيف محمد أبو ضعوف، وهو ينظر الى ماتم انجازه، ويقول: "ما زال المشوار أمامنا طويلا، اذ لم نكمل الكثير من المشاريع حتى الان. يجب ان لا ننسى المعاناة التي عانيناها طوال الستين عاماً الماضية وحرماننا من ابسط الخدمات الاساسية كالماء والكهرباء وخدمات الصحة الاساسية التي ينص عليها القانون وكل المواثيق الدولية, لذلك نقول ان جسر الفجوات القائمة يتطلب منا الاستمرار في العمل بوتيرة ربما اكبر مما كنا عليه في السابق، ولا بد للدولة أن تقدم المزيد من الدعم والميزانيات، اذ لا يزال امامنا الكثير من المشاريع الضرورية والحيوية"

 

عين حوض بين خارطة وزارة الداخلية والخارطة البديلة

تقرير: سمير ابو الهيجاء قبل احد عشر عاما وبالتحديد في العام 1994 اعترفت الحكومة الاسرائيلية بقرية عين حوض بعد سنوات طويلة من معاناة اهلها جراء سياسة عدم الاعتراف والحرمان من الخدمات . ومنذ ذلك الحين قامت وزارة الداخلية باعداد مخطط لقرية عين حوض ليتم المصادقة عليه وتقديم الخدمات للقرية. وبلغت مساحة …المزيد
 

الماء حق.. ولكنه ضائع

تقرير: ياسر العقبي وصفاء حسن


"إن حق الإنسان في الماء يمنح كل فرد الحق في الحصول على كمية من الماء تكون كافية ومأمونة ومقبولة، ويمكن الحصول عليها مادياً كما تكون ميسورة التكلفة لاستخدامها في الأغراض الشخصية والمنزلية. فتوفير كمية كافية من الماء المأمون هو أمر ضروري لمنع الوفاة بسبب فقدان جسم الإنسان للسوائل، والحد من مخاطر الإصابة بأمراض منقولة بالمياه كما أنه ضروري للاستهلاك والطهي والمتطلبات الصحية الشخصية والمنزلية"


مكتبة حقوق الإنسان، جامعة منسوتا. "الأسس القانونية للحق في الماء"


رغم ما ورد اعلاه فانه هذا الحق، كما يبدو، يمنح بالقطارة حين تهدف سياسة الدولة الى خنق أصحاب الحقوق، من أجل السيطرة على أراضيهم ونقلهم إلى البلدات والتجمعات السكانية، التي يرى فيها الكثير عبارة عن فنادق نوم لا أكثر.


قرية وادي المشاش العربية في النقب تشكل مثالاً صارخاً لهذا الحق المسلوب، من قبل حكومات إسرائيل. ولو أن وزير البنى التحتية، الوزير بنيامين بن اليعزر، لم ير في أن فتح ماسورة مياه لسكان القرية قد يحقق له مكاسب سياسية، لكان سكان وادي المشاش ينتظرون ماسورة الماء حتى يومنا هذا.


فلقد استغل سكان القرية فترة الانتخابات التمهيدية لحزب العمل، التي لم تتم في نهاية المطاف (بسبب التزييفات) لمطالبة الوزير بفتح الماسورة، وبالرغم من أن الماسورة فتحت على بعد نحو عشرة كيلومترات عن القرية، إلا أنها تعتبر بالنسبة للسكان بمثابة "رائحة البر ولا عدمه"، حتى لو كان هذا البر بالقطارة، وهو بمثابة لوي لأيدي القائمين على المياه في ما يسمى "مديرية النهوض ببدو النقب"، الذين يقررون – دائمًا – رفض كل طلب يقدمه السكان العرب في النقب لربط قراهم بماسورة ماء، لا لسبب إلا تنفيذًا للسياسة العنصرية التي تهدف الى تضييق الخناق على السكان، معتقدين أن الإنسان قد يتنازل عن حقه على أرضه بسبب شربة ماء. ومحمد الوليدي، رئيس اللجنة المحلية لقرية وادي المشاش كان واضحًا في حديثه معنا، حين قال: "حتى لو متنا من العطش، فلن نتنازل عن أراضينا".


قرية تعاني الأمرّين

جبر أبو كف، احد قادة النضال الذي يخوضه عرب النقب من أجل حقوقهم، يلخص وضع القرية قائلا: "وادي المشاش تعاني الأمرّين. وضميري يؤنبني من ذلك الوضع، بالرغم من أننا بذلنا جهدًا كبيرًا من أجل تغيير الوضع القائم. أربع سنوات ونحن نحارب من أجل شربة ماء لسكان القرية، الذين يقومون بنقل المياه بواسطة صهاريج من مسافات بعيدة، ويكلفهم كوب الماء 20 شيكلاً. لقد وضعنا نصب أعيننا أن الماء بالنسبة لنا يعني منح الحياة لهذه القرية فقمنا باستغلال حفلة "البرايمريز" (الانتخابات الداخلية لحزب العمل)، وعن طريق إبراهيم أبو صبيح، عضو الهيئة، بإحضار الوزير بن اليعزر، لنستغله مرّة واحدة لصالح السكان. قبل فتح الماء كان السكان ينقلون المياه من مسافات بعيدة. لقد عملنا بشكل مكثف عن طريق أبو صبيّح، لأن سكان قرية وادي المشاش هم ضحية سياسة حكومة إسرائيل. أريد أن أؤكد أن فتح ماسورة المياه لم يكن له ثمن: لم يقم أي مواطن من القرية بالانتساب إلى حزب العمل بتاتًا".


48 عائلة؛ 850 نسمة


تقع قرية وادي المشاش جنوبي بئر السبع، عند نقطة الكيلومتر العشرين على شارع رقم 40، المسمى طريق عصلوج (متسبي رامون). سميت قرية وادي المشاش بهذا الإسم نسبة إلى وادي المشاش الذي يمر من وسطها. تعيش في القرية 48 عائلة تضم 850 نسمة (البعض متزوج من امرأتين أو أكثر). نسبة البطالة في القرية تصل إلى 80%، والبقية يعتاشون على زراعة القمح والشعير وتربية المواشي والعمل اليدوي. جميع من يسكن في القرية هم من أبناء عشيرة العزازمة، من عائلات الوليدي، والسراحين، والخزاعلة وزنون وأبو زعبوط، ويقيمون على مساحة حوالي 6000 دونم. 50% من السكان هم من الأطفال، الذين يتعلمون على بعد حوالي 35 كلم في مدارس شقيب السلام، التي يتم نقلهم إليها في الصباح في حافلات. وبالرغم من الظروف الصعبة يتعلم عشرة من أبناء القرية في الجامعات والكليات المختلفة.


بدون خدمات أساسية


يسكن سكان وادي المشاش على أراضيهم قبل قيام دولة إسرائيل. لكنه على الرغم من ذلك تفتقد قريتهم الى الخدمات الأساسية، كما كانت محرومة من الماء الى ما قبل شهر واحد، اما الكهرباء فيوفرها الأهالي في ساعات الليل فقط، مولد كهربائي، بالرغم من أن خط الكهرباء يمر من فوق بيوتهم. وبالرغم من النشر الأخير حول المشاكل الصحية التي قد يعاني منها كل من يسكن تحت خطوط الجهد العالي، إلا أن ما يزيد الطين بلّة بالنسبة لسكان وادي المشاش هو وجودهم على بعد 6 كلم جواً عن المنطقة الصناعية الكيماوية "رمات حوفاف"، بالإضافة إلى تعرض حياتهم للخطر كونهم يجاورون منطقة "رمات بيكع" العسكرية.


أما عن النقص في الخدمات فحدّث ولا حرج: فلا توجد مدرسة ولا روضة ولا حتى ساحة للعب الأطفال، والطرق غير معبدة، ويصبح الوضع اكثر شاقاً بالنسبة للطلاب في فصل الشتاء، الذين يضطرون إلى السير مسافة 8 كلم على الأقدام ويقطعون الوادي الذي يشكل خطرًا على حياتهم حين تكون المياه جارية فيه. ومن هنا فإن طلاب الروضة والبستان لا يتوجهون إلى المدارس في فصل الشتاء، وكذلك الأمر في الأيام الحارة في فصل الصيف، منعًا للمس بحياتهم وتعريضهم للخطر. أما بالنسبة للخدمات الصحية فيتلقاها السكان في رخمة (بلدة يروحام) أو في شقيب السلام.


3 أكواب من الماء تكلفنا 200 شيكل


محمد الوليدي (39) هو أب لتسعة أطفال، ويرأس اللجنة المحلية للقرية. ويقول: "الناس كانوا فاقدين للأمل من أية مساعدة، الى ما قبل شهرين حيث تم فتح ماسورة ماء في القرية، ما أعاد إليهم بصيصا من الأمل، لقد ثبت أن طريق النضال والمطالبة بالحقوق له مكان في مثل حالتنا، وعزز ذلك عدم خوفنا من التهديد برش المحاصيل والتهديد بالترحيل".


ويضيف: "لم يحذونا الأمل على مدار عشر سنوات طالبنا خلالها بايصال المياه إلينا. الشرطة كانت تتابع أي ولد يخرج على التراكتور لإحضار الماء، الذي تحوّل بالنسبة لنا إلى عملية تهريب. اضطررنا إلى تعطيل عملنا، وانتظار الدور ودفع 20 شيكلاً ثمنًا للكوب الواحد، أما التراكتور والصهريج الذي يحوي ثلاثة أكواب من الماء فيكلفنا 200 شيكل. وبسبب الحالة الاقتصادية السيئة، وعدم امتلاك كل العائلات لتراكتور، تجد الناس يتوسلون لمن يملك هذه الآلية كي يقوم بنقل المياه لهم، على أن يسددوا الدين له في وقت لاحق"!


من المهم إلى الأهم


أطفال قرية وادي المشاش لا يحلمون بمخيم صيفي أو ملعب مغطى بالعشب الأخضر لكرة القدم، التي يعشقونها. فهم يفهمون أولويات الحياة ويعرفون الأهم بالنسبة لهم. صحتهم وصحة ذويهم. إنهم يهتمون بالماء أولا، ثم إزالة الروائح الكيماوية التي تسبب لهم ضيق التنفس، أحد الأمراض الدخيلة على المجتمع العربي عامة في النقب. حتى رئيس اللجنة المحلية يؤكد أن أولادهم يعرفون "البير وغطاه" بالنسبة للوضع الاقتصادي وبالنسبة للأولويات، لا يمكنهم أن يتحدثوا عن أشياء أخرى..... "حتى المخيم الصيفي غير مذكور على أجندتهم"، يؤكد الوليدي، وهو يرأس جمعية لمربي الإبل وينظم سنويًا سباق الهجن.

محمد الوليدي يقول: "المجلس الإقليمي بدأ النضال قبل أربع سنوات، وقام بالتوجه إلى جميع المؤسسات من بينها "حكومة البدو" الخاصة المسماة "مديرية النهوض ببدو النقب"".

ويضيف أبو كف: "المجلس توجه إلى السفارات ووسائل الإعلام التي قامت بزيارات مكثفة للقرية للوقوف عن كثب على أوضاع السكان، خاصة نقص المياه، وكذلك قربهم من "رمات حوفاف" وخط الجهد العالي للكهرباء، واستطاع قبل سنتين ونصف تحسين البنية التحتية للشارع من خلال تحسين مداخل القرية في يوم الأرض 2003. وقد واصل باستمرار المطالبة بالمياه بالرغم من رفض طلباتنا عدة مرات، وتم التوجه الى المحكمة العليا باسم القرى كلها، فتم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، والتي كانت تبت فيما إذا كانت هذه القرية بحاجة إلى المياه أم لا، وكانت ترفض جميع الطلبات".


ويردف معيقل الهواشلة، من قادة عرب النقب: "لقد وقفنا إلى جانب القرى التي ينقصها المياه، مثل قرية الغرّة، التي أسكن فيها، لأن الناس بحاجة ماسة للمياه. مديرية البدو أعلمتنا أنهم سيخرجون في جولة، هذه المديرية التي تقرر للبدو العرب في النقب فقط فيما إذا كانوا يحتاجون لشربة ماء أم لا من خلال لجنة خاصة! ما يلفت النظر هو عدم وجود عربي في هذه اللجنة، حيث لا يمكن سماع صوتنا فيها".

ويلخص الوليدي أقواله بالتأكيد: "التمسك معًا والوحدة والمحافظة على الأرض وعدم المساومة عليها، وتفاوت الخلافات بيننا، هو الكفيل بوضع حد للاستهتار بحياة الناس. لا توجد دولة في العالم تعمل على تأسيس لجنة لتقصي الحقائق كي تفحص ما إذا كان مواطنوها بحاجة إلى شربة ماء أو لا، إلا إسرائيل".


 

رغم اعتراف اسرائيل بها عام 98 - شقاء عرب النعيم على حاله


حينما سألنا الشيخ ابو فاعور عن عمر قريته،عرب النعيم، الواقعة شمال مدينة سخنين قال بلهجة طافحة بالثقة والايمان: "اسأل هذه الآبار التي حفرها اجدادنا في الصخر هي الكوشان.. وبالتأكيد تكبر دولة اسرائيل بنحو قرنين من الزمان". هذا الاسبوع زرنا القرية التي تتربع على واحدة من قمم الجليل الأعلى والمشرفة من بعيد على ساحل البحر المتوسط فكانت زيارة خاصة يختلط فيها للوهلة الاولى الواقع بالخيال وتخال انك عدت في عجلة الزمان الى ايام السلطان عبد الحميد، امام مشاهد البؤس والفقر والحصار المضروب على القرية.

عرب النعيم واحدة من عشرات مثيلاتها التي يمسك اهلوها بتلابيب تاريخ وجغرافيا المكان، لكنها باتت تعرف في عهد دولة اسرائيل ب"القرى غير المعترف بها" ولا تحرم من الماء والكهرباء وحبة الدواء، فحسب، بل تشهد محاولات لخنقها على مدار الساعة بغية نقل اصحابها والاستحواذ على ارضهم.

في العام 1998 اعترفت اسرائيل بعرب النعيم لكن زغرودات الابتهاج والفرح المنطلقة من حناجر نسائها ذرتها الرياح مع الوعود التي اطلقها الساسة على اشكالهم ولم يرشح منها شيىء. ولا زال ابو فاعور يمنع من بناء عريشة تظلل احفاده من الشمس الحارقة في باحة "الدار" بحجة عدم استصدار التراخيص. ويقيم في عرب النعيم اليوم نحو 800 نسمة، ابناء قبيلة واحدة، منها اشتق اسم القرية، وهم بدون استثناء يعيشون فقرًا مدقعًا. منهم من يعمل في الاعمال اليومية الشاقة فيما يعتمد الاخرون على مخصصات البطالة.

الشقاء في عيون الأطفال لم يتغير في القرن الـ21

كنا نتمنى أن يوحي اسم القرية بمستوى معيشة سكانها، لكن العكس هو الصحيح، اذ يغرقون بشقاءهم حتى الاذنين ، يقطنون فيما يشبه "قرية صفيح"- براكيات معدنية تلتهم الزوابع بعضها في كل فصل شتاء فيما تتحول في الصيف الى حمامات ساخنة لشدة حرارتها.

الشاب احمد خالد النعيم(40 عاما) الذي التقيناه في ساحة براكية شقيقه اكد ان الاعتراف بالقرية في عهد حكومة نتانياهو لم يخرجها من محنتها ولم تحصل على الخدمات الاساسية لبني البشر. ولفت الى ان شبكة المياه في البلدة انشئت على نفقة الاهالي، ("صوت القرى" تشير الى ان لجنة الأربعين هي التي قامت بتمويل مشروع المياه بالتعاون مع جممعية الجليل) فيما لا زالوا يعيشون بلا شبكة كهرباء وبدون مدرسة وعيادة وغيرها من الاحتياجات البسيطة. ونوه احمد الى ان السلطات الاسرائيلية المختلفة تتذرع بعدم وجود خريطة هيكلية للقرية، مشيرا الى مماطلة وزارة الداخلية في استكمالها منذ العام 1998. واضاف: "بسبب ذلك لا زلنا نمنع من بناء مساكن اسمنتية او حجرية فيتناوب الصيف والشتاء على الفتك بصحة ابنائنا. في كل شتاء تلتهم الزوابع بعض البراكيات فيهب من تبلغه "دبة الصوت" لانقاذ الاطفال من المطر والبرد القارس". واشار احمد الى ان التمييز القاسي لا يقتصر على الاحياء من السكان فيطال حتى الموتى الذين يدفنون فوق بعضهم البعض لضيق مساحة المقبرة المحلية.

رسميا تتبع قرية النعيم لنفوذ المجلس الاقليمي "مسغاف" منذ ان اعترف بها، لكن هذا يشارك السلطات المركزية في تضييق الخناق على السكان ولا يقدم مساعدة حقيقية تذكر.

ويستذكر الاهالي هناك زيارة وزير البنى التحتية، بنيامين بن اليعيزر، قبل شهر لالتقاط الصور الاعلامية والتباهي بانه قام بايصال مسكن فهيم النعيم (بيت نقال) بالكهرباء لانقاذ حياة طفل مريض تتعلق حياته بالاجهزة الكهربائية. "وهل يجب أن يشارف احد اطفالي الثمانية على الموت كي يوصلون بيتي بالكهرباء؟" تساءل علي نعيم ابو شادي، وهو عاطل عن العمل ويضطر لتدبير شؤون اسرته بـ2500 شيكل شهريا. واضاف" اجزم لك ان الكلاب والقطط في المستوطنة المجاورة "اشحار" او " يوفليم" تتمتع بحياة افضل من معيشتنا هنا، فنحن علاوة على ظلم السلطة نواجه ثلة من الاعداء كل ساعة: العوز والبرد والحر والمرض وغيرها، واكثر ما يؤلمني عدم قدرتي على توفير الحد الادنى من الشروط المطلوبة لتعليم اولادي". اما مساكن الناس في القرية فهي عبارة عن قوالب من الصفيح مكونة من غرفتين واحدة للسكن والثانية معدة للطبخ وتخزين الادوات والحاجيات.

محمد فاعور نعيم الشيخ ابو فاعور

اعتراف اسرائيل بعرب النعيم الاهالي لم يمكن الاهالي حتى من بناء مدرسة لأولادهم، ويضطر الاهالي الى نقل اولادهم يوميا الى سخنين او وادي سلامة للتعلم في مدارسها. وكانت "لجنة الاربعين" قد اقامت روضة للاطفال في احدى البراكيات، عملت لعدة سنوات بتمويل من اللجنة، الى ان تم استبدالها ببناء متنقل، لكنه وبسبب عدم الاعتراف ما زال بدون كهرباء ولا حتى شجرة بجواره يستظل الأطفال تحت ظلالها.

وازدادت محنة الشاب امين سواعد بعد ان رزق بأربعة اطفال مرضى، لكن ذلك لم يحرك ضمائر المسؤولين في الدوائر المختلفة كشركة الكهرباء. " في كل مرة اراجع مجلس مسغاف لمساعدتي في الارتباط بالتيار الكهربائي فاصطدم بذات الجواب: انتقل اذن للاقامة في قرية شعب او في وادي سلامة .. أليس هذا ترحيل وتهجير؟" سأل امين بمرارة وقال ان ما يحصل عليه الاهالي اليوم بعيد حتى عن "فرحة" الفقراء والمحرومين. واضاف: " اولادنا يضطرون لشرب ماء الشفة بدرجة حرارة عالية تدفعهم الى التقيؤ احيانا فهل يحصل مثل ذلك في مكان اخر عدا افريقيا اليوم؟ "

يسعى الاهالي منذ سنوات الى التحرك بشكل جماعي لتثبيت اقامتهم في قريتهم والحصول على استحقاقات مواطنتهم كونهم مواطنين اصلانيين سيما بعد الاعتراف بهم، وذلك من خلال لجنة محلية يرأسها محمد فاعور الذي يرى ان القرية حازت على بعض الخدمات، مثل انشاء روضة الاطفال وبعض الالعاب وادخال بعض الفعاليات اللامنهجية لهم، بمساعدة لجنة الأربعين التي قادت منذ تأسيسها في اواخر الثمانينيات مع اللجنة المحلية، النضال من اجل الاعتراف بالقرية وبالتالي الكفاح من اجل تطبيق الاعتراف على أرض الواقع. بيد ان نعيم يؤكد استمرار الغبن المخطط ضد الاهالي.

وقد أبدى اغلبية ساحقة ممن تحدثنا اليهم من الاهالي غضبهم على بقاء الاعتراف مجرد كلمات وحبرا على ورق. سألنا فاعور فقال: " صحيح لا زلنا ننتظر المصادقة على الخريطة الهيكلية ولم تسعفنا توجهاتنا للمجلس الاقليمي ولا ما قدمه مركز عدالة من مساعدة قضائية، فحتى الان لا نزال محرومين من التيار الكهربائي والمدرسة والخدمات الطبية وتراخيص البناء.

محمود نعيم امام احد الأبار في القرية

اما محمود النعيم فيعمل في بلدية كرمئيل ويحصل على قوت اولاده كالنحت بالصخر، غير ان اكثر ما يفجعه مرض زوجته الذي حال دون قيامها بتدبير شؤون الاسرة، تاركة كل ذلك للابنة البكر، ابنة ال 14 عاما. واضاف: " تضطر ابنتي الطفلة،دموع، الى غسل اقمشة وثياب الاسرة بيديها يوميا. حينما الحظها تفعل ذلك ابكي في داخلي على طفولتها المسلوبة وفي قلبي تحامل كبير على السلطات التي تحرمنا من السلك الكهربائي الذي كان سيحل بعض مشاكلنا الاساسية".

واستذكر الحاج فاعور ابو محمد (74 عاما) محاولات التهجير التقليدية فقال انه في العام 1964 قامت السلطات الاسرائيلية بنسف 25 مسكنا وكافة ابار القرية لحرمان الاهالي من الماء واطلاق النار صوبهم لاجبارهم على الرحيل. واضاف: " كلما امر بمحاذاة بئر مهدومة ابكي حفنة من الدموع فهذه كنا حفرناها بايدينا وبصعوبة بالغة".

يشار الى ان السلطات الاسرائيلية قامت سنة 1957 بمسح عام للقرية دون منح الاهالي فرصة الاستئناف، وبعد سبع سنوات (عام 1964) باشرت في تطبيق النظم ومعاقبة "المخالفين" الذين يتسللون لما تزعم أنه "اراضي الدولة"..

لكن كل هذه الضغوطات التي تجعل حياة الادميين تطاول حدود المستحيل لم تدفع الاهالي الى تحقيق مآرب السلطات بنقلهم الى مكان اخر، ضمن سياسة تجميع البدو الرامية الى الاستئثار بالارض، كما اكد الحاج ابو محمد، الذي اضاف: "الحمد لله ظلينا صابرين وصامدين. ولو أعطوني أرضا في أي مكان فلن استبدله بعرب النعيم. هنا ولدت وامضيت ايام الطفولة والصبا وهنا اموت رغم كل الظلم. وفي الستينات كان الجيش يجري تدريباته في المنطقة المحيطة وكانت العيارات النارية تتطاير من فوقنا كالمطر ولم نهرب."

ابومحمد الذي لم يحظ بدخول مدرسة لكن الحياة عركته وعلمته الكثير، كما يقول، نوه الى ان الاهالي توهموا بان التصويت في الكنيست للاحزاب الصهيونية يمكن ان يسهم بتوفير شربة ماء لهم. واضاف: " لكن العمل والليكود تسابقا بمن هو اكثر كذبا ونكثا للوعود، اما الاعتراف بنا فهو كالاعتراف بالدولة الفلسطينية التي لم تقم ويعملون على وأدها قبل ان تولد. واسرائيل يبدو مصممة ان تبقى دولة كل مواطنيها عدا العرب.."

يشار الى ان الدولة لا زالت تسجل من يولدون في القرية كسكان مدينة سخنين ما يشير الى نواياها بابقاء الاعتراف مجرد وعود كلامية.

ويتوجه الاهالي الى لجنة الاربعين لتواصل دورها بالتعاون معهم كما كان قبل الاعتراف عام 98 لان الاحوال على أرض الواقع بقيت على حالها.

 
صفحة 1 من 2